خطأ القتال على اكثر من جبهة


يشعر البعض من القادة الكبار بالعظمة حدا يفوق مقدار تمتعهم بالقدرات الفائقة عمليا،  فيثقون بأنفسهم وبمن حولهم ثقة تفوق الحدود المعقولة للثقة بالذات، وبسببها يتخذون قرارات للتعامل مع أكثر من مشكلة في آن معا أو يقاتلون في أكثر من جبهة في نفس الوقت، قرارات وفعل حرب يرونه وحدهم والقريبين منهم أنه صحيح للتعامل مع مشكلة أو أزمة، وكذلك ملائم إلى حلها، ويصبحون في خضم عملية التعامل واتخاذ القرار غير قادرين على سماع النصيحة أو قبول المشورة، وبدلا عنها نراهم يغوصون يوميا في عمق تعقيداتها حتى يجدون أنفسهم في النهاية أسرى لتفاعلاتها ونجدهم بالمحصلة النهائية يدفعون وشعبهم ثمنا لا يعوض من الدم والخراب، كما كان الحال بالنسبة إلى هتلر في تاريخنا الحديث يوم شعر بقوته المفرطة التي دفعته إلى أن يحارب في أوربا، وقبل أن ينهي سيطرته على كل أراضيها ويطوع شعبها توجه إلى غزو بريطانيا وبعد فشله في الوصول إلى أراضيها حاربها في شمال أفريقيا، وقبل أن يحسم معركتها أرسل جيوشه باتجاه روسيا فوجد نفسه في النهاية أسير قتال غير متكافئ على أكثر من جبهة أسهم في أن يحكم الطوق على رقبته فدفع حياته ثمنا وكذلك الشعب الألماني الذي قدم ملايين القتلى وخراب لحضارة كان يمكن أن تكون الأعظم في العصر الحديث. ومع ذلك لم يتوقف الساسة والعظماء من إرتكاب خطأ القتال على أكثر من جبهة ليس لأنهم لم يدرسوا التاريخ، بل لأن تقديراتهم لخطر اتخاذ القرارات المصيرية في التعامل مع الأزمات الصعبة لم يكن صحيحيا بسبب تركيبتهم النفسية التي من خلالها يشعرون بالعظمة والقدرة العالية للحسم والتفوق، وهذا أمر ينطبق على الكثير من الساسة في عالم اليوم وكذلك على كثير منهم في عالم الأمس، لا نريده واقعا خاسرا أن ينطبق على ساستنا في العراق الحالي وهم في بداية الطريق لإرساء قواعد البناء الديمقراطي، خاصة وإننا نشاهدهم قد بدأوا القتال على أكثر من جبهة في عراق اصبحت العديد من مناطقه جبهات ساخنة إذ نرى على سبيل المثال أنهم دخلوا معركة الفلوجة أو أجبروا على دخولها وقبل أن يحسموها معركة لصالح الأمن والاستقرار، أقحموا أنفسهم أو أقحموا في معركة النجف وجيش المهدي التي لا تقل خطورة عن معركة الفلوجة إن لم تزد عنها بكثير، وبعد أن وزعوا جهد العسكر على جبهتين أولاها في الوسط الغربي وأخرى في الوسط الممتد إلى الجنوب فتحوا معركة سياسية عقلية مع أحمد الجلبي، في نفس الوقت الذي توجهوا فيه صوب إيران. ونحن هنا لا نريد أن نتجاوز على حق الحكومة في أن تدافع عن وضعها والعراق، ولا أن نلومها على أسلوب القتال، لكن المنطق يدفع إلى التأكيد على أن الجبهات التي تحارب فيها الحكومة في الوقت الحاضر ليست الأربعة المذكورة فقط، بل وهناك جبهات أخرى للقتال بعيدا عن البندقية والهاون دخلتها الحكومة أو ستدخلها حتما مثل القتال لمكافحة الفساد الذي تفوق خسائره خسائر البندقية، والقتال للقضاء على الجريمة المنظمة والعصابات والتجاوز على القانون، الذي تزيد خسائره عن خسائر القصف بالهاونات، وهناك القتال لمقاومة الإرهاب الذي يراد له أن يدمر العراق، وهناك أيضا القتال في ساحة البطالة، وضعف المعنويات، وتجزأة الولاء التي تشكل الخطر الأكبر على شعب العراق وغيرها أنواع من القتال النفسي الذي لو أحصينا جبهاته لوجدنا أنها الكثير، ووجدنا أن خوضها في أن معا تعد أمرا مستحيلا لأنه تشتيت للجهد لم يقوى عليه هتلر وألمانيا في عظمتها، ولم يصمد في مجاله نابليون وفرنسا في عزها، ولم يتمكن منه صدام في جبروته. لذا لم يبق لحكومتنا إن أرادت السير بسلام وإكمال المشوار إلا أن تتجاوز الافراط بالثقة بالذات وأن لا تتوجه باختيارها لأن تحارب في أكثر من جبهة إذ ما أخذنا بنظر الاعتبار إن الجبهات سوف تتعدد في عراق أراد أهله أن يبدأو المشوار.  

د. سعد العبيدي                       16/8/2004