حذاري من العودة الى الاحتقان الطائفي


كانت البداية التي بدأتها القاعدة في العراق وأطراف أخرى لتكوين فعل الاحتقان الطائفي، بداية دينية مبنية على بعض الآليات النفسية السلبية مثل التشويه، والخطيئة، والذنب، وكان العمل قبل التكوين الفعلي لحالة الاضطراب الأمني، لصق كل السلبيات بالطرف المقابل، سعيا لتحويل صورهم الإنسانية، التقليدية، إلى الصورة الرمزية للشيطان، في عقول المتلقين العراقيين، لتكوين نهج تفكير لا يتأسس على الرغبة والسهولة في تبرير القتل، بل وعلى جعله نوع من عمل الخير، وبهذا التشويه كونوا وضعا أو ظروفا نفسيةً، تحرر فيها مرتكبي العنف والجريمة من الشعور بالذنب، فمهدوا لإحداث فعل الإحتقان اللازم للاضطراب، الذي يعد البسيط منه نوع من التزييف العقلي، والشديد، حالة من حالات البرانويا "الشعور بالاضطهاد"، لو حاولنا التفتيش عن دوره في إثارة الأضطراب الأمني في العراق، لوجدنا أنه كان الأساس في إحداثه، وغالبية الخروق الأمنية، يوم غلب التحيز الطائفي بعد 2004 في كل النقاشات، وفي كل مناحي الحياة السياسية والأجتماعية، وكأن غالبيتنا قد أصيب فعلا بالإضطهاد، إذ نعدُ أنفسنا بالأذكياء وكما يقول المثل الشعبي العراقي "مفتحين باللبن" ونتعامل على وفق هذا الذكاء، بشكل صحيح مع جميع مفردات العيش والحياة، لكننا وعندما نصل إلى موضوع السنة والشيعة "الطائفية"، ترتفع درجات التبرير العقلي لما نشعر به ونصرح فيه، ونسلك على أساسه، وكأن الطائفية مشاعر مخزونة في ذلك الجزء المنعزل، من عقولنا الذي ينطوي على الإضطهاد، وفي تلك الفترة التي سبقت 2007 لو تحدثنا مع عراقيين بمستوى تحصيل عادي أو حتى جيد في أمور تتعلق بالعمل، والمستقبل، والعلاقات العامة، نجدهم يكشفون عن قدرات مقبولة على الأستفادة من عقولهم في مثل هذه المجالات الفكرية، وغيرها، ولكننا عندما نتقرب من موضوع يتعلق بالشيعة أمام سني أو عن السنة بوجود شيعي، نواجه وبشكل مفاجئ ومثير نظام فكري مغلق، وظيفته إثبات أن الجانب المقابل هو الطائفي، وهو الخطأ حتى في أحكام تعود إلى ما قبل 1400 عام، وفي محاولة هذا النظام للسير مع العقل، وعدم التناقض معه، أتجه المقابل سنيا كان أم شيعيا، عربيا أم كرديا، إلى إنكار بعض الوقائع وإن كانت بعض معطياتها مثبتة، وواضحة تاريخيا وفقهيا، وحَرفّ أخرى عن حقيقة مسارها، مؤكدا أن التفسيرات التي قدمها، منطقية، والتفسيرات التي جاء بها المقابل طائفية، يعلن فيها ذلك الشيعي من غير تردد أن تهجير العائلة السنية من المنطقة، مسألة طبيعية، جاءت ردا على تهجير مثلها شيعية، ويقلل ذلك السني في المقابل من شأن قتل عائلة شيعية على الهوية، أو إن قتلها ممن وجهة نظره مختلف تماما عن الإبادة التي جرت لمجموعة عوائل سنية، وإذا ما سرت بالنقاش مع أحد من هؤلاء المصابين بالاحتقان، حتى النهاية، وأخبرته أن الطرف المقابل يقول الشيئ ذاته، قد يلجأ إلى التهكم، لقلة إدراكه دوافع الموضوع وحقيقته، وربما يتهمك بالطائفية أو الردة إبتعادا عن مصالح الطائفة، فيما إذا كنت من نفس الطائفة، وسوف يحاول تقديم العشرات من التفسيرات التي تشير إلى أن طائفته ليست البادئة، وإنها ليست حانقة، وغير عنصرية، وغيرها عديد من الحجج، التي تعبر عن قدرة تبريرية لعقل بشري متعب نفسيا، وولاء إضطهادي للطائفة، أخذ حيزا من التفكير حد الاضطهاد.

مشاعر، أستغلها الغير، تفاعلت جهوده في الاستغلال مع أخطاء الإدارة، بطريقة إستثارت كل المكبوتات والأفكار ذات الصلة بالطائفية، أو أعادتها إلى الذاكرة القريبة طافية على السطح من جديد، محملة بشحنات عدائية، وجهت إلى الغير في الساحة المضطربة، قتلا، وتهجيرا، وتخريبا، وهدما لأعمدة الدولة، وركائزها في البقاء.

لقد أستمر الحال عدة سنوات أستخدمت خلالها الأطراف المتقابلة العقول لتبرير المسائل غير العقلية، وتسويغها في النقاشات الجارية مع الغير، وفي سلوك ينم عن الميل إلى الإلغاء، يبين كم هي المسافة التي كانت موجودة بين العقلانية، ونقيضها في العقل الطائفي العراقي آنذاك، وهذه حقيقة لا تتعلق بالعراقيين وحدهم، بل وبالإنسان الذي يعيش فترة تخلف وإضطراب، عندما يكون سلوكه الأقرب مجازا إلى سلوك السائر في قطيع، تحدد توجهاته، دوافع متابعة القائد الأعلى للقطيع، وإقامة الروابط الجيدة مع باقي أفراد القطيع الموجودين من حوله، ومحاولة الالتصاق بهم دوما، عملا وفعلا وتفكيرا، للتخلص من مشاعر التهديد بفناء الوجود الآتية من الجانب المقابل، ومن الطبيعي في حالات الاحتقان الذي جرى في العراق، لا يمكن لأحد منا أن يعرف القائد الأعلى للقطيع، ولا أهدافه، وتوجهاته التي تكون على الأغلب مشبوهة.

لكن حالة القطيع قد خفت حدتها أخيرا، وكثير من الأفكار المثيرة للاحتقان في طريقها للانتقال إلى الذاكرة البعيدة، حتى أوقف إنتقالها التام أو عطله، ما حصل في الانتخابات، وما يحصل بعدها، من تناحر سياسي بين الفائزين، وبدايات أتهام بين الجماعات، ومشاعر بالربح والخسارة بين الطوائف،والأقوام، وكأن التحسن الذي حصل، لم يلغ السلوك القطيعي في نفوسنا، ولم ينه الصراع في داخلنا بين الماضي والحاضر طائفيا، ويبدو إننا وإلى أن يحصل الترجيح التام لمعطيات الحاضر، والتأمل المقبول لآفاق المستقبل، فيما بعد أو في المستقبل غير القريب من الآن،  سنبقى في حالة قلق مثير للتوتر، وسيغلب على تقديرات العديد منا، لحقيقة ما هو نافع لنا ولمستقبل أولادنا، تلك الرغبات التي تريدها الجماعة الطائفية، لأن يكون نافعا من وجهة نظرهم الطائفية، وستبقى الكثير من أحكامنا عن الواقع المعاش، والحاجة الى التكيف لما يجري، وسبل التعامل مع الأحداث والضغوط، تحددها الحاجة إلى الاتصال بالجماعة "الطائفة" والخشية من الإنعزال عنها، وهنا تكمن الخطورة، إذ ما نظرنا إلى موضوعها من زاوية أحداث اليوم وطريقة التعامل مع الانتخابات وإفرازاتها السلبية، التي قد تنشط الإحتقان الطائفي من جديد، ليعيد قدراته في إنتاج المزيد من العنف والاضطراب، وقد تزيد شدته بمستوى يعيدنا إلى سلوك القطيع، فنكون عندها في حال أسوء من السابق بكثير، لأن العنف الشديد الذي قد يحصل، سيحصل ونحن واهنون، وآثاره ستكون مدمرة أكثر، لأنها ستتأسس على رغبة في التدمير أشد، عليه لم يبقى لنا في سوق السياسة الحالي، سوى الصراخ بصوت مسموع، حذاري من العودة إلى الاحتقان.       


29/4/2010