جلد الذات العراقية وسبل الإدارة النفسية للبلاد


من عادة العراقيين أن يتفاخروا بأنفسهم حد الاعتداد بها، ومن بين خصائصهم النفسية الدارجة أن لا يعترفوا بأخطائهم بسهولة ولا يذكروا سلبياتهم بواقعية، وإن ذكرهم أحد يحاول غالبيتهم المراوغة والابتعاد وكأن التذكير يشعرهم بالانتقاص من القدر والقيمة، ومن بين خصال العامة أو بالمعنى الأدق الأقل تحصيلا ووعيا في المجتمع العراقي إدعاء المقدرة، واستعراض القوة واستخدامها بإفراط في غير موقعها، ومن بين صفاتهم أيضا كم الشعور بالذنب في داخلهم، ولهم مثل باقي شعوب العالم خصائص أخرى تعد إيجابية وأخرى سلبية تفاعلت طيلة العقود القديمة مع أساليب إدارة الحكومات المتعاقبة للمجتمع منتجة سلوك عند الكثيرين قوامه:

التأييد الظاهري للحاكم إلى مستوى الإسفاف، والاعتراض المبطن على حكمه حد المقت.

الدعوة إلى تأييده ونصرته لغاية التبجيل، والشعور بالاشمئزاز من تصرفاته حد الكره.

ومن ثم الرقص بحضرته هستيريا حتى الإعياء، والرغبة في ذمه حد التكفير.

وغيرها من تناقضات الأفكار ومعالم السلوك أدرك طبيعتها الحجاج، ومن بعده صدام حسين الذي تصرف على وفقها في إدارة الدولة والمجتمع لما يزيد عن ثلاثة عقود سجل فيها أنه سيطر على مجتمع عرف بصعوبة السيطرة عليه، وسبيله إلى ذلك تلك المكارم التي شرعها للتعامل مع تناقضات الأفكار وتعزيز السلوك المرغوب من قبله فزاد من عدد الراقصين، والمتملقين وإن كانوا من بين المصنفين شيوخا لعشائر البلاد وقادتها من الإداريين والعسكريين، وتلك العقوبات التي فرضها حبسا، وقتلا، وتشريدا لإطفاء السلوك غير المرغوب من قبله فقلل من عدد المعارضين، والمنصفين، وأهل الحق وإن كانوا كثر بالنوايا والتمنيات.               

إلا إن الأمر قد تغير نسبيا خلال الثلاثة سنوات ونصف الأخيرة نتيجة التعرض لأنواع جديدة من الضغوط، وأساليب القتل والتدمير التي لم يكن الحاكم طرفا فيها والعراقي في الشارع والدائرة والثكنة أداتها، وبطلها فكان تغيرا ملفتا للنظر خاصة في الأشهر الأخيرة حيث النزول الواضح من على فرس الاعتداد بالنفس، والرغبة في الاعتراف بالخطأ والاجهار بوجود السلبيات، والأهم منها تعميم الشعور بالذنب، ولوم الذات حد الجلد عند الغالبية العظمى من العراقيين.

إنه تغير في السلوك يؤشر الإصابة العامة بالاكتئاب، والإحباط أنتج عدوانا بدء موجها إلى الذات حيث التوسع في ذمها وتحميلها المسئولية، وقد يتحول إذا لم يتم التعامل الصحيح معه إلى رموز الدولة والمجتمع بسبل مختلفة بينها سحب الثقة والتأييد، ومن ثم الاحتجاج اللفظي والمادي، وقد يكون آخرها الهياج العام بطريقة يصعب الوقوف أمامها من قبل القوى الضابطة التي أصيبت هي أيضا أو عديد منها بنفس الداء، أما وسيلة التعامل معه قبل فوات الأوان فتمر عبر التفكير بسبل الإدارة النفسية الصحيحة التي تتأسس بعض جوانبها على التطبيق السريع لمعطيات القانون، واستخدام الشدة مع الخارجين عليه، ومن ثم إعادة هيبة الدولة، وإعطاء حقوق المتقاعدين وأفراد الجيش السابق، وإخلاء الدور والبنايات الحكومية التي استولت عليها الأحزاب والحركات السياسية، وتقديم البعض من كبار الفاسدين إلى المحاكم وإعلان الأحكام الصادرة بحقهم، وإعلاء شأن العسكري ضابطا أو جنديا والتعامل معه الحامي الفعلي للبلاد، والتفتيش عن الكفاءة في الإدارة والتخطيط لمستقبل العراق، وإيجاد فرص عمل سريعة، واخذ زمام المبادرة في الجوانب الأمنية، وحل المليشيات، وتطهير الأجهزة الأمنية، وتوفير مستلزمات العيش والخدمات، وبمعنى أوسع الشروع بالاستنفار العام أو ثورة سلوكية داخلية تقودها الحكومة نفسها وإن كان لفظ الثورة لا يروق للأصدقاء، وكذلك الأشقاء، وعديد من السياسيين الذين لا يحسون بألم من يطلبها سبيلا للخلاص.

د. سعد العبيدي   17/9/2006