الشيء الأكيد في عالم السياسة في عراقنا الجديد هو أن الجميع أصبحوا مشاركين، أويسعون لأن يكونوا مشاركين في الأحداث الجارية وفي القرارات المتخذة، حتى أصبحو اجلهم يفتون بما يجري من حولهم، ليس لأحد منهم حدود في الافتاء، كثيرون منهم يفتون لمجرد الافتاء، يظهرون لمجرد الظهور.

صحيح أن الديمقراطية أو من بين مفاهيمها ما يتعلق بحرية ابداء الرأي، لكن الديمقراطيةالتي نعيشها الآن أو نسعى الى تعزيزها في حياتنا اليومية والسياسية تبدو مختلفة عن الديمقراطيات الموجودة في دول العالم المتحضر، التي أرست دعائم الديمقراطية في عالم يعيش فيه الناس بقدر مقبول من الرضا وبأساليب في ابداء الرأي والمشاركة ليس فيها تجريح مخل بالحياء، وتسقيط مهين وميل لفرض الرأي بالقوة.المشكلة هنا في مجتمعنا السائر نحو الديمقراطية هي في عدم القدرة على أختيار المناسب،وعدم اعطاء من نختاره الفرصة لأن يقدم ما عنده على وفق المحددات العامة  للمناصب والصلاحيات ، والمشكلة الأكبر في سبل التعبير عن الرأي الخاص بأهل المناصب، اذيظهر في الصورة أمامنا يوميا آلاف الأشخاص يعبرون عن وجهات نظرهم في أمور مهمة واستراتيجية، وهذه مسألة طبيعية في الحرية التي توفرها النظم الديمقراطية، لكن غير الطبيعي في مجالها أن الكثير من الآراء التي تقدم نابعة من انحياز داخلي في النفس،والانحياز بحد ذاته تطرف يدفع صاحبة الى عدم الاكتفاء بالتعبير عن الرأي، بل السعي الى فرضه، رأيا هو الصائب والوحيد. يريد من الآخرين أن يلتفتوا اليه، ويريد من الدولةأن تطبقه دون غيره.

وغير الطبيعي أيضا أن أصحاب هذه الآراء، يصوغون آرائهم من خارج دائرة المعرفة السلطوية، فتكون تلك الآراء أقرب الى الأفكار المنحازة وغير الصحيحة، وآثارها سلبيةفي كثير من الأحيان. فالقتال لمكافحة الارهاب في منطقة محددة دون أخرى أو تحرير هذه المنطقة وليس الأخرى على سبيل المثال لا يتعلق بالأهواء والأفكار والانحياز، بللحسابات تتعلق بالقوة، والامكانيات المتاحة، والعدو، وبصددها بتنا نرى ونسمع في اليوم الواحد آلاف الآراء المنحازة والتقييمات غير الصحيحة وكأن الواحد من أصحابها قائدا هو الأعلى في الميدان، والنتيجة فوضى آراء لا يدرك من صاغها وروجها أن طرحها بهذه الطريقة يسهم في ارهاق الجهاز العصبي للمقاتلين الذين يقدمون أرواحهم من أجل الوطن،ويسهم في ارباك حالة القتال.وغير الطبيعي أيضا هو أن البعض من هؤلاء لا يكتفون بطرح الآراء، بل يسعون الى فرضها بالقوة.الديمقراطية ليست هكذا، والأسلم فيها أن تعطى الفرصة للقادة أن يعملوا ونعطي من جانبنا الرأي فيما يعملون، دون السعي لالزامهم أن يعملوا ما نراه من زاويتنا المعرفية الضيقة.

2/5/2015