يبدو أن الجدل في العراق له مواسم وطقوس على غير العادة السارية في المجتمعات الأخرى النامية منها والمتحضرة إذ يستمر الجدل فيها على طول الايام والسنينب وتائر متقاربة وهادئة مع بعض الاستثناءات، ومع ذلك هذا هو الشأن العراقي الموسوم أصحابه والقائمين على شؤونه بسرعة وشدة الانفعال، وموسم جدلهم هذه المرة في هذه المرحلة الزمنية من عراق ما بعد الاحتلال يتعلق بالانسحاب الامريكي التام على وفق الاتفاقت الامنية المعقودة بين البلدين، ومثل باقي أنواع الجدل ومواسمها التي مرت أدخلوه في دهاليز السياسية والدين أو بمعنى آخر سُيِسَ الموضوع وُمذّهِبَ حتى النخاع، وإلى مستوى باتت كثير من الاطراف السياسية في مجاله تتبارى للظهور بالمظهر الوطني، وكأنها تريد من ينشر عنها جماهيريا فكرةأنها من وقف ضد الاحتلال وقفة لابد وأن تتدوال بقدر يمكن تجييره لصالحها فيقيادة الجمهور الذي تحركه العواطف والأحاسيس، ومثلها فعلت الأطراف الطائفيةومثلها تبارت وكأن الطرف السني فيها يريد التاشير على إنه من وقف بالضد من الاحتلال، وبالقابل يريد الطرف الشيعي أن لا يستثنى من القول ومن الوقوف فيالصف المقاوم للاحتلال، لكننا في العراق لا ينطبق علينا القول أن الذي في القلب هوكذلك على اللسان، خاصة في مجال السياسة وربما في مجالات أخرى قريبا منها، إذأن غالبيتنا يؤمن بشيئ ويصرح بشيء آخر، يوصي بشيء وينفذ شيئا أخرا، ومنهذه الحقيقة المرة أو بالتأسيس عليها، لو أتيحت الفرصة لعاقل أن يستخبر شخصياعن الرغبات الحقيقية لخروج القوات الامريكية من عدمها لوجد أن القليل منأطراف المقاومة المسلحة السنية هي التي ترغب بالفعل بخروج الامريكان وما تبقى حذر يخشى الفوضى من الخروج، وفي المقابل الشيعي يكاد يقتصر الأمر على التيار الصدري الذي يؤكد على مستوى العلن رغبته الجادة بخروج الامريكان، ويضع فوق تأكيده سعيا للمقاومة إذا لم يخرجوا من البلاد، وما تبقى يخشى الغالبية أن يتسبب الخروج غير المقنن في إحداث فوضى الهيمنة على الحكم من أطراف لا تؤمن بالعملية السياسية ولا بديمقراطيتها الموعودة.

إن خروج الأجنبي من العراق مسألة وطنية لا يعترض عليها أحد من السياسيين وغير السياسيين إلا القلة التي تنظر بمنظار خاص يبتعد عن الوطنية، لكن موضوع الخروج وفي بلد مثل العراق لم يتعافى من محنته حتى الان، لا يقتصر الوقوف في الصف المؤيد لحصوله أو الصف المقابل غير الراغب بالحصول على المشاعر الوطنية والشعارات الثورية فقط، إنما منها والنظر عمليا إلى المصالح الوطنية العليا للبلاد، خاصة في مجال الأمن والتوازن مع دول الأقليم، المشكلة الأكثر تأثيرا على الاستقرار وإتمام عملية البناء.....نظرة عملية لو تم ربط موضوع الانسحاب على وفقها بمصلحة العراق الفعلية تدفع الى مناقشته بتأن من زاويتين رئيسيتين وإن كانتا مرتبطتين فيما بينهما عمليا:

الأولى: ما يتعلق بالأمن الدخلي وقدرة الجيش الحالية للمساهمة في تنفيذ المهام الأمنية، وفي هذا المجال يمكن التأكيد على أن الجيش العراقي بمستواه الحالي وجاهزيته الفعلية قادر مع قوى الأمن الداخلي لتأمين قدر من الأمن بمستوى مقبول بقياسات الأمن السائد في الوقت الراهن، لأن القتال في ساحة الامن الداخلية لا يحتاج سلاح غير السلاح الموجود في الجيش، ولا تدريب من نوع خاص تفوق برامجه وخططه ماهو سائد الآن ولا وسائل أتصال خاصة لا يملكها الجيش.

الثانية: ماله صلة بالأمن الخارجي أو حماية البلاد من التهديدات الخارجية، وفي موضوعه يمكن الجزم أن دول الاقليم المحيطة تدخلت جميعها في العراق وما زالت تسعى لمزيد من التدخل بهدف الحصول على مكاسب مد النفوذ من جانب ولحماية أمنها الداخلي من التدخل والارتداد من جانب آخر، وهي في حال الانسحاب التام للقوات الامريكية ستشعر بفراغ أمني تحاول التدخل لأخذ حصة في ملئه وربما السعي للتفرد في ملئه حصة أكبر، الأمر الذي قد يدخل العراق في دوامة التغلغل الاجنبي يمكن أن تتطور إلى صراعات جانبية بين أطراف عدة على الارض العراقية يرغم العراقيون أو قسما غير قليلا منم للقتال بالانابة كما حصل من قبل،وقد يندفع الأقوياء مثل إيران على وجه الخصوص الى الدخول العلني ومن ثم خلق واقع جديد تفرضه على العراقيين والعرب وباقي دول العالم، تؤسس لها من خلاله نفوذ قابل إلى الامتداد الى البلدان العربية الأخرى، فَتُدخل المنطقة في صراعات أقليمية لا يمكن أن تجنبها التدخل الأمريكي الاوربي بطرية غير الطريقة الموجودةحاليا في العراق

.إن كل الاحتمالات واردة في حال حصول الفراغ، مما يحتم على العراقيين التفكير عقلانيا بالحيلولة دون أستغلال حالته للتدخل في شؤون البلاد من قبل الدول الأخرى خاصة المحيطة، أو ما يسمى بتأمين الردع الكافي للحيلولة دون حصول التدخل بالصيغ العسكرية التقليدية أو الاستخبارية غير المعلنة وغيرها، وتفكير من هذا النوع يستلزم العودة إلى واقع الجيش العراقي الحالي، إلى مستويات جاهزيتة وفيما إذا كانت كافية لتحقيق عامل الردع من عدمه، وهنا تجدر الاشارة إلى أن غالبية تشكيلات الجيش الحالي وبسبب ضرورات القتال الداخلي وتدخلات الاحتلال هي من المشاة وقليل من الدروع التي لا تضاهي في كفائتها الفنية والتعبوية وكمها الموجود حتى جيش الكويت، الجيش الأصغر في المنطقة، وبذا يصبح الجيش بجاهزيته الحالية غير قادر على تأمين أبسط مقومات الردع.
وإذا ما وضعنا القوة الجوية أحد اركان الجيش لتأمين الردع فإنها في الوقت الحاضر تعتبر ناشئة مازالت حديثة إذ لا يمتلك العراق طائرات مقاتلة ولا اخرى لأغراض الاسناد ولا قاصفات تعبوية أو استراتيجية، وعليه لا يمكن أن يجازف بحالتها أي عسكري محترف ويقبل مواجهة مع أي جيش يهدد بلاده. وما ينطبق على القوة الجوية يمكن تعميمه على الدفاع الجوي غير الموجود أصلا، وكذلك على القوة البحرية المبتدءة، والمدفيعية الثقيلة غير المتيسرة. تعميم يجعل القادة العسكري ونيفكرون مرارا ويعيدون التفكير مرارا أيضا قبل أن يقفوا أو يقبلوا حصول المواجهةوإن كانت دفاعا عن النفس. ومن هذا يصبح الردع عراقيا بقصد الحيلولة دون تنفيذ التهديد الأجنبي غير ممكن بالوقت الحاضر، وبالتالي يصبح البديل الأقل كلفة هو الاستثمار المعقول للتحالف الموجود مع الأجنبي أي الأمريكي لتأمين الردع اللازم بحدوده الدنيا المقبولة، من خلال الابقاء على قليل من قواته في معسكرات خاصة لاتتحرك إلا بأمر الدولة العراقية، وهذا خيار يدفع الدولة التي تود التدخل العسكري فيالعرق لأن تضع في حسابها قوة الأمريكان قبل الاقبال على أية خطوة طائشة، علماأن الجميع في المنطقة وخارجها يعلمون جيدا أن أمريكا الدولة الأقوى عسكريا في العالم قادرة على إعادة حشد قواتها في العراق عند حصول التهديد بسرعة لا تسمح لأي تدخل خارجي بالتوسع وبما يخل بمصالحها ومصالح العراق وإن حقق موطئ قدم في البداية.

إن موضوع الانسحاب وعدمه لا يتوقف على فلسفة الردع الخارجي المبينة في أعلاه، فهناك في الوقت الراهن مشاكل وألغام في الداخل العراقي بثت من الزمن السابق، تحتاج هي الأخرى الى نوع آخر من الردع للحيلولة دون تفجرها، مثلا لمناطق المتنازع عليها بين الحكومة المركزية في بغداد وحكومة اقليم كردستان،فهي وأذا ما تجاوزنا جوانب المشاعر والعواطف فإن موضوعها مؤثر جدا على حاضر العراق ومستقبله، إذ لا يمكن وبسبب التنشأة السابقة والتعامل التعسفي السابق توفير الثقة الكافية لايجاد الحلول المناسبة التي ترضي جميع الاطراف الموجودة في النزاع، ولا يمكن بسببها ضمان الالتزام بالبقاء في حالة التهدئة الحالية حتى حصول الاتفاق النهائي المطلوب والمقنع لجميع الاطراف، وعليه فإن العراق من هذا الوقت ولحين حصول الافاق المزمع غير القريب من الآن يحتاج حتما إلى طرف ثالث تخشاه جميع الاطراف وتتفادى الاصطدام به مكونا وجوده عامل ردع مقبول يحولدون حصول التصادم، وهو الطرف الامريكي بطبيعة الحال الذي أتفقت علية جميع الاطراف ورضيت بوجوده جهة عسكرية تسير الدوريات المشتركة مع قوات الاقليم والقوات العسكرية الحكومية، والخيار المتاح لتحقيق هذا النوع من الردع هو في بقاء
قوات رمزية على أقل تقدير في هذه المناطق كفيل بجعل جميع الأطراف أن تفكر أكثر من مرة عند السعي الى التجاوز وفرض الحلول التي لا ترضي الجميع .

وختاما يمكن التأشير إلى أن الانسحاب الامريكي أو البقاء خياراته المتاحة صعبة وتأثيراته المباشرة وغير المباشرة خطيرة، وإبداء الرأي بصدده صراحة حساس وصعب، فهو بالنسبة الى السياسيين المشاركين في العملية السياسية على سبيل المثال حساس إذ قد يؤثر التصريح لصالح البقاء على شعبيتهم، وبالمقابل فإن العمل على خروج الامريكان بالوقت المحدد أكثر تحسسا إذ قد يفقدوا بتحقيق الخروج السند الأمني لبقائهم في الحكم بسبب إحتمالات أكتساح الساحة من جهات تتهيأ وتتربص ذلك اليوم الذي تنفرد فيه بهم وبالساحة الشعبية الواسعة، وهو بالنسبة الى الحكومةأيضا صعب وحساس إذ إن عملها على إلزام الامريكان بالخروج يفقدها الردع الذي تكون من خلال وجودهم لثمان سنوات أحد اللاعبين الرئيسيين في الساحة، محسوب من قبل القوى التي تأخذ من الشارع وسيلة ضغط على الحكومة وتسعى لإسقاطها في أقرب فرصة متاحة، إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أن جيش المهدي أقوى الداعين الىخروج الامريكان وأكثر المختلفين من المشاركين بالعملية السياسية مع توجهات الحكومة قد أستعرض قواه بالنزول الى شوارع بغداد أكثر من مرة وفي أكثر من مكان دون أن تتعرض لوجود منتسبيه بقيافتهم السوداء المميزة أي من أجهزة الحكومة العسكرية والأمنية.

وهو بالنسبة إلى الاكراد حساس وحرج أيضا إذ إنهم مازالو يصرون على وجود طرف ضامن لاتفاقاتهم مع الحكومة المركزية ولعدم تعرضهم ثانية للاضطهاد من قوات المركز وللحفاظ على المكاسب التي تحققت بالفدرالية وبقاء القوات الامريكية خير ضامن من وجهة نظرهم، لكنهم ومن نواح ثانية يتبين أنهم لا يريدون أن يسجل العراقيون بالضد منهم أفكار عن مساهميتهم في إبقاء الاحتلال فلجأوا إلى السكوت وهو أكثر أنواع الحرج الذي يتعرضون له بعد التغيير.

إن الموضوع وعلى الرغم من حساسيته لا ينبغي أن يمر عبر الشعارات ومعايير الوطنية العاطفية، لأن العراق باق في موقف الاحتياج للدعم الامريكي سياسيا وعسكريا، وأمريكا قوة عظمى لا يمكن التلاعب معها من اي طرف كان، والعراق غير قادر على تأمين الردع على المدى القريب، وبالتالي لا خيارات أمام الدولة العراقية والسياسيين والبرلمانيين والمسؤولين الحكوميين سوى التحرك لأيجاد صيغة بقاء في غير بقاء، أي القبول ببقاء رمزي أو بسيط محكوم بضوابط محددة للتحرك بصلاحيات وسلطات عراقية، على الرغم من إنه خيار قد لا يخلوا من آثار جانبية
أقلها الاصطدام بقوى لا يستهان بها في شارع قلق لا يمكن الاطمئنان إلى توجهاته المستقبليية.