ان لحزب البعث العربي الاشتراكي خصائص، تَميزَ بها بما يفوق الاحزاب الاخرى التي تأسست في زمنه، اهمها ديمومة السعي للوصول الى السلطة، بأية وسيلة، وان كانت استخداما مفرطا للقوة. وعدم الاقتناع بغير الحكم سبيلاً لتحقيق الاهداف، وان كان الطريق محفوف بمخاطر تفتيت المجتمع والامة. خصائص دفعته الى الاعتراف بفشل التجربة السياسية للحكم عام 1963، واستيعاب الانشقاقات التي حصلت، أواخر ذلك العام، ولملمة الشتات جناحين يمتد الاول الى ميشيل عفلق، ويتصل الثاني بسوريا حافظ الاسد. سارا كلاهما باتجاه الوصول الى السلطة، اي الانقلاب على حكم عبد الرحمن عارف، الذي ورثه عن اخيه في 17 نيسان 1966، بانقلاب ابيض للعسكرين المتنفذين، في تمثيلية انتخاب الرئيس. وفي الجهة المقابلة لهم في تلك الحقبة الزمنية، كانت سمات الرئيس عبد الرحمن (ضعف الطيبة)، وفرط الثقة بالقريبين، الى مستوى تجاوزه التقارير والتحاليل الاستخبارية في التعامل مع المتربصين له، والساعين الى الانقلاب عليه بينهم البعثيين، واللجوء بدلا عن التحقيق بصحتها، الى طلب القَسَمْ بالقرآن الكريم، سبيلا لتبيان الحقيقة. واكثر من هذا الشعور بضيق حلقة التأييد والدعم لوجوده، حتى ورد عن المقربين منه انه قد حضر اليه صديق له قبل الانقلاب بقليل، قائلا:;أبا قيس لم يبق للانقلاب المرتقب ضدك سوى ثلاثة عشر ساعة، احسم الامر بنقل عبد الرزاق النايف من منصبه، وانهي الموضوع. 

فأجاب: لماذا تستكثرون عليَّ عبد الرزاق، الذي بقيَ وحيدا الى جانبي.

 فكانت سمات خاصة، وضعف قيادي، وظروف سياسية ساذجة، ومواقف دولية مناسبة، وخيانة وطنية أخلاقية، وضعت جميعها البعثيين على سكة الانقلاب، شبه المحتوم.

 التحرك للتنفيذ.

 كان جناح البعث لميشيل عفلق هو الاقوى في ساحة التآمر والانقلاب، وكانت الساحة الداخلية ملائمة، حيث الاقرار بضرورة التغيير، من قبل القادة المعنيين بحماية الرئيس، تلافيا لاحتمالات ضياع المكاسب المتحققة. وكان الجناح البعثي اليساري، الممتد الى حافظ الاسد لا يقوى على السير في طريق الانقلاب، لعدم امتلاكه رموز عسكرية قيادية يعتد بها. ولا قاعدة واسعة من الضباط وضباط صف، يمكن التأسيس على وجودها في التخطيط والتنفيذ، لعمل مضمون باقل ما يمكن من الخسائر. وكان الشيوعيون يأنون من جراح الابادة الجماعية، لتنظيمهم العسكري والمدني، بعد مجازر 1963، ومع انينهم هذا، اشهر الغرب كارتا أحمرا، لا يسمح بتحركهم لعمل انقلاب باي حال من الاحوال. وكان القوميون واهنون، بعد تكرار عدة محاولات فاشلة للقيام بفعل الانقلاب، وهم مثل الشيوعيين يعانون من الانحياز الدولي في غير صالح تقربهم من الحكم في العراق. اما الاسلاميين فان دورهم لم يحن بعد، لادارة حكم في المنطقة، وقواعدهم الحزبية المنظمة في الجيش، تكاد ان تكون معدومة، باستثناء أفراد متفرقة، لا يجاهرون بأداء طقوسهم الدينية.

 من هذه الساحة المواتية، تحرك البعثيون، الاقوى تنظيما، والاكثر قبولا في الساحة الدولية، فوجدوا في طريق تحركهم جهة أخرى، تسعى بنفس الاتجاه، قادتها اللواء الركن ابراهيم عبد الرحمن الداوود آمر لواء الحرس الجمهوري، والمقدم الركن عبد الرزاق النايف وكيل مدير الاستخبارت العسكرية. المركزان الاقدر على كتمان التحرك، وضمان نجاح التنفيذ، بحكم موقعهما في جانب السلطة العليا لاصدار القرار، وقربهما العشائري المناطقي من الرئيس. وضعٌ خاص، وجد فيه كل طرف مجازفة في الوصول الى الغاية، اذا ما تم تجاوز الطرف المقابل له في معادلة الوصول. ومجال للانقضاض على ذلك الطرف الذي لا يمكن تجاوزه، في الوقت المناسب، وتعديل النتيجة تفرد بحكم العراق. فكان التحالف، حلاً وحيداً يؤمن جزء من الغاية، ويمهد الى تأمين الجزء الآخر لاحقا، قبله الندان. مَثلَ البعث فيه كل من البكر وعماش، والمقابل لهم المستقل بالاضافة الى الضابطين المذكورين، أي الداوود والنايف، كل من العميد حماد شهاب آمر اللواء المدرع العاشر، والمقدم سعدون غيدان آمر كتيبة دبابات الحرس الجمهوري، وان انتظما في صفوف الحزب لاحقا. تم الاتفاق بينهم، ونفذت الخطة بدقة، ودخل الانقلابيون بناية القصر الجمهوري، صباح يوم 17 تموز 1968، محذرين الرئيس باطلاقة واحدة من مدفع دبابة، جعلته يوافق على مغادرة الحكم والعراق على الفور. 

يتبع......