لقد تم التحالف بين البعث والجهة المقابلة مجموعة الداوود، كما ورد وكان تحالف مصالح تم بسرعة، وانجز فعل الانقلاب بسهولة، اثارت اقاويل، لم يصل المؤرخون والباحثون الى صحة حدوثها فعليا، فابقوها عائمة يتم تداولها تبعا، للقرب والبعد من أطرافها، وتبعا لاستعراضات القوة في مجالها، فكانت القادمة من غير البعثيين، تبين:

 أن الضابطين المذكورين الداوود والنايف، وبعد فترة قليلة من حكم عبد الرحمن أخذوا، يتكلمون في مجالسهم الخاصة عن ضعفه الملموس، وعن خشيتهما حصول انقلاب عليه، من قبل الناصريين او الشيوعيين او البعثيين، مما دفعهم الى التخطيط لاستباق الانقلاب المحتمل بانقلاب فعلي. ولما عرفا بخطط البعثيين، واقترابهم من التنفيذ، ولافتقارهما الى البعد السياسي المحلي والاقليمي والدولي، وافقوا على التحالف معهم، لتحقيق الغاية. 

وكانت الرواية البعثية التي وردت بالادبيات الرسمية للحزب، بعد الانقلاب على الداوود والنايف في 30 تموز 1968 مباشرة، على العكس من تلك الرواية المذكورة، مؤكدة، ان الحزب من قام بالتخطيط للانقلاب، وان قيادته هي التي بادرت بالاتصال بالداود عن طريق شقيقه البعثي، النقيب عبد الوهاب الداوود لتأمين النجاح، وانها عندما كانت في احد الاجتماعات الخاصة معه، لمراجعة خطة التنفيذ، فاجئهم النايف بالدخول الى المكان، وساومهم على قبوله طرفا رئيسيا او افشاء سرهم، متهمين الدواد باخباره بالمخطط.

 انها روايات منحازة، تدحض صحتها رواية ثالثة، تتأسس على وجود حتمية للتحالف، ووجود عراب لهذه الحتمية، هو اللواء الطيار الركن حردان عبد الغفار، المكلف من قبل البعثيين بالاتصال بالطرف الآخر، عندما استشعروا خطواته باتجاه التنفيذ القريب، وهو المعروف بقدرته العالية على التأثير، وخبرته الواسعة في عمل الانقلابات، وقد نجح في مهمته بتقريب وجهات النظر، وعقد الصفقة التي وحدّت جهودهما مؤقتا. نجاحا حَسب البعض صاحبه، لولب الانقلاب الفعلي، ومهندسه الحقيقي، وحسبه البعض الآخر صاحب الجهد الرئيسي، مؤكدين ان تدخله كان الحاسم في تحقيق النجاح، وكان الحائل دون انكشاف الجهد قبل التنفيذ.

 ان الروايات الثلاثة متناقضة، وتحتاج الى سند لدعم صحتها، بقي وسيبقى مفقودا في ظروف وشخصيات لم تخرج من عباءة الذاتية، حتى في التعامل مع وقائع التاريخ. وان كانت الرواية الاخيرة ذات الصلة بجهود حردان هي الاقرب للواقع، عند النظر اليها من زواية المحاججة العلمية لبعض ملابسات الانقلاب، مثل: 

1. من غير المعقول ان يجازف البعثيون، ويتصلوا بالداوود دون مقدمات مسبقة، وهو المعني بحماية النظام، الا بعد ان تيقنوا من وجود جهد يقوم به لتنفيذ انقلاب، وانه لم يكمل هذا الجهد، وهو بحاجة الى من يعاونه في اكماله، وقد يكون من جانبه قلقاً من قيام البعثيين بكشف سره. 

2. ومن غير المعقول أن يفاجئ النايف المجتمعين البعثيين، ويساومهم في اجتماعهم على المشاركة، وتحديد المنصب الذي يريده. وهو في موقع يستطيع بواسطته القاء القبض عليهم.... عملٌ، لو كان قد أتمه لحصل من الرئيس على عائد يفوق المساومة في ظروف المجهول.

 3. اقصاء، بطريقة الاغتيال بالنسبة الى النايف وحردان، والنفي بالنسبة الى الداوود، عمل لا يأتي بالصدفة، ولا يمكن ان يتم بثلاثة عشر يوما، اعقبت النجاح، ولا يمكن ان يحدث في بداية المشوار، الا لغاية التخلص منهم، ومن اسرار يحملونها قد تغير في حال انكشافها من الواقع وشكل الحكم المطلوب. ان المرجح هو ان الطرفين، وخلال مرحلة التخطيط، بات يعرف كل منهما خطوات الثاني، وانهما سوية لا يرغبان بالخروج خالين الوفاق. ففضلا سوية، التعاون مع الغريم، صفقة ملائمة لتقاسم المناصب، وابقاء المستقبل مفتوح، للتحرك على وفق حركة الطرف المقابل. انه استنتاج تؤكد صحته تحركات الطرف البعثي المريبة خلال الثلاثة عشر يوما التي اعقبت الانقلاب، حيث التوجه السريع لنقل الضباط الموالين الى بغداد. ومحاولة السيطرة على بعض مفاصل الدولة المهمة. ويؤكد صحته ايضا قول البكر بعد 30 تموز، للرائد الركن سليم شاكر الامام الذي حضر لزيارته، من انه وطوال فترة الثلاثة عشر يوميا لم يعد يقوى على رفع رأسه والنظر في عيون الرفاق عندما يرد اسم عبد الرزاق النايف، وانه كان قلقا من وجوده، حتى انه قد اصيب بداء السكري، لكثر الترقب والتفكير بهذا الوجود الخطير. اصابة أكد حقيقة حصولها الدكتور تحسين معلة، يوم قص عليه الرائد الركن سليم ما ورد، اذ أخبره انه فعلا قد فحصه سريريا بعد اقصاء النايف مباشرة، ووجد انه قد اصيب حديثا بداء السكري

د. سع العبيدي