قد تكون الحاجة والعوز سبباً في إهمال القديم من واقع بغداد وتراثها، وقد يكون ضعف السلطة الادارية الضابطة وجهلها وقلة الرقابة هو السبب، وقد يكون تصدع الارتباط بالماضي ومعاداته بعض من السبب وربما تكون هذه جميعها وأخرى غيرها قد أسهمت فيتشويه بغداد القديمة وتدمير تراثها الذي يعد هو الأغنى مادياً وقيمياً، إذ يلاحظ الماشي فيأزقة المربعة وعگد النصارى العجب في مسألة استغلال تلك البيوت القديمة التي تحولتالى دكاكين لأعمال الزجاج ومخازن جمله وغيرها، واذا ما تركت هذه المناطق العريقةوشارع الرشيد الذي لم يبق منه ما ينفع الذكرى واتجهت بالسير في الشوارع الفرعية للسعدون ودخلت أزقتها سترى أن تجارة الديكور واعماله قد غزت المنطقة نهاراً والبارات ومحال بيع الحبوب المهلوسة والدعارة قد غزتها ليلاً فلم يبق من شناشيلها غير ألواح خشب تهشمت وبقايا زجاج تكسر وحديد صدأ، ونقوش فعلت بها أيادي العمال وأصحاب المحال والمخازن فعلها فانتهت أو تشوهت حتى باتت عبئا على ذوق الانسان.

واقع حال اذا ما قورن مع مثيله في بلدان العالم وبعض مدن اسبانيا على وجه الخصوص،سيلاحظ أن أزقة وبيوتاً قديمة تشبه الى حد ما بيوت بغداد القديمة وأزقتها في كرخ بغداد ورصافتها، بفارق وحيد هو أنها هناك قد اعتبرتها الدولة والبلديات المعنية من التراث،وحمتها من الهدم والتحوير وأعانت أهلها للاحتفاظ بها عامرة نظيفة، لتبقيها في نهاية الأمرتحف معمارية قديمة يتجول بين ربوعها سياح يدفعون ثمناً لسياحتهم، ويتناولون في مطاعمها القديمة وجبات غذائهم ويتفرجون على معارض توحي أو ترجع المتابع الى مئات السنين. بيوت ما تزال بعض من الخطوط العربية تؤطرها على الرغم من تغير ديانات أهلها وتقلبهم بين المسيحية والاسلام ومن ثم العودة الى المسيحية، لكنهم حافظوا عليه اتراثاً ذا قيمة عالية لا علاقة له بالفكر الديني... مقارنة مع بغداد تدفع الى الابتئاس من هذاالغزو التجاري غير المنظم، والى العتب بل وحتى اللعن العلني لمسؤولي البلدية والأمانة والمحافظة الذين تركوا الحبل على الغارب وسمحوا بحصول الغزو الذي أفسد الذوق العام وخرب تراث يفترض الاحتفاظ به معلماً سياحياً، يدر ربحاً ويقوي العلاقة بجذور التاريخ ويرفه عن العراقي من الهموم الدنيوية التي أوجدتها الحداثة الفوضوية

.ان تدمير التراث وان ترافق مع خرق وتدمير القيم الاجتماعية الذي ألم بالبلاد أخيراً، لكن ايقاف التدهور الحاصل في جوانبه وترميم ما يمكن ترميمه أسهل بكثير من ترميم القيم التي وصل فيها التصدع نقطة اللا عودة، حيث لا يحتاج الأول سوى تحسس الخلل الحاصل وإصدار قرار بإيقاف ما يحصل ومتابعة التنفيذ. فهل هذا صعب..؟.

١٣/٥/٢٠١٧