الوهم السياسي ومعايير الصحة النفسية


يقترب الإنسان إلى السواء على مُدَرج للصحة النفسية ويبتعد عنه تبعا لمقدار اقترابه من الواقع أو ابتعاده عنه أو بمعنى آخر  حسب درجة الوهم التي يعيشها حتى يوصف المرء أنه مضطرب عقليا عندما يتوهم على سبيل المثال أنه مراقب من مخلوقات كونية أو إنه يسمع أصواتا تناديه ولا يسمعها آخرون غيره، ويوصف مضطرب أو مرهق نفسيا عندما يتوهم أنه غير محبوب من أقرانه، أو إنه الأحسن من بينهم، وهكذا تمتد قائمة الأمثلة عن الوهم "الابتعاد عن الواقع" الذي يعيشه البعض من الناس في عموم الكرة الأرضية، وسبل التشخيص التدرجي بالاضطراب والانحراف والارهاق في كل مجالات الحياة بينها السياسة التي تصنف بالنسبة لنا في العراق أعلى أولويات حياتنا التي يبين الواقع أننا نعيش في مجالها أوهاما وإن لم تصل على المدرج المذكور إلى مستوى الاضطراب لكنها عمليا تؤشر ضغوطا على العقل وقدرا من الاضطراب في الصحة النفسية تؤيد وجودها ردود فعلنا أو استجاباتنا الانفعالية في تعاملنا مع بعضنا البعض في الحياة اليومية، وفي الاستحواذ على الحديث الدائر في نقاشاتنا الجارية، وتؤيده كذلك معنوياتنا الهابطة، ومستويات أدائنا المتدنية، ورغبتنا الشديدة في التقليل من شئن الغير والعزل والتسقيط، وتؤيده أيضا رغبة البعض منا بالقتل، وميل البعض إلى مشاهدة وقائعه، واستعداد البعض الآخر للسكوت عن حوادثه المتكررة. أما طبيعة الأوهام السياسية التي تشكل ضغوطا على عقولنا واضطرابات في أدائها هذه الأيام فهي كثيرة ومتشعبة بينها على سبيل المثال تلك التي تتعلق بالنظرة إلى التعددية الحزبية التي يرى البعض ممن ركب موجتها أنه ومعه عشرة يشكلون حزبا سيكونون بتشكيلته قادرين على المساهمة في حل مشكلة العراق التي نأت عنها دول مشهود بقدرتها العالية للتعامل مع الأزمات، وتخلت عنها الدول العربية المشهود لها بتعقيد الأزمات، ويرى البعض الآخر ممن أسهم بتكوين موجتها من الأحزاب الكبيرة أنه ومن معه من المتحالفين  قادرين وحدهم على حلها دون أن يكلفوا أنفسهم ويقيسوا مستوى التعقيد، وعلى أساس هذا الرأي والاعتقاد يمكننا القول أنهم ومن معهم يعيشون وهما يشكل ضغطا على قدراتهم في العمل والتفكير، ويتسبب في عديد من الاضطرابات التي تزيد من تعقيدات الأزمة أكثر من التقرب إلى حلها كما يتوهم المعنيون.

وبينها أيضا تلك التي تتصل بموضوع التعامل مع الانتخابات التي يفترض أن تجرى نهاية الشهر الأول من السنة القادمة والتي يرى فيها البعض فرصة للسيطرة على حاضر العراق ومستقبله وضرورة  استثمارها بالتحرك والتحالف والتآمر، ويرى البعض في جوها المشحون هذا  خطوة تفقدهم مكاسب كانت موجودة بعيدا عن الانتخاب، ويرى البعض الآخر أن إجراءها في هذه الفترة الزمنية مسألة غير منطقية وإن نتائجها سوف لن تجلب الاستقرار،  وعلى وفقها يمكن الجزم أن أصحاب تلك الاعتقادات واهمون جميعهم بمستوى من الشدة التي تشكل ضغطا على تحركهم قبل الانتخاب، وعلى ردود فعلهم منها، وعلى تعاملهم مع نتائجها في المستقبل القريب.

وبينها كذلك تلك الآراء التي تتصل بالعشيرة سبيلا للنهوض بالعراق. وبأبناء المنطقة وسيلة لحماية ودعم الحاكم والمسئول. وبالوقوف على التل دافع للسلامة هذه الأيام. وبالاعتماد على الأجنبي أساسا لإعادة البناء. وبالقتل والاغتيال أسلوب لتجاوز الأزمة المستعصية. وغيرها الكثير من الآراء والاعتقادات التي يشكل وجودها ضغوطا تنتج الاضطراب، وتبين النظرة التشخيصية لمستويات تكرارها أننا في العراق أكثر الشعوب معاناة من الاضطراب، وإننا على هذا الأساس أحوج إلى إعادة بناء حالنا النفسي قبل الشروع بإعادة البناء المادي الذي تأخر بسبب ما نعانيه وغيرنا من الاضطراب.

8/10/2004