النظام الأمني الحكومي


درج المسئولين الحكوميين حماية أنفسهم بنظام حماية ذاتي، يأخذون على عاتقهم فيه  أختيار حماياتهم من الأقرباء، والمنتسبين إلى العشيرة، والطائفة، والحزب، وتقوم الدولة من جانبها بمنحهم الرواتب، والمخصصات المجزية، حجتهم إلى ذلك الخرق الأمني المحتمل في ظروف أمنية صعبة تهدد حياتهم لا يمكنهم فيها الاطمئنان إلى من حولهم إذا لم يكونوا معروفين من قبلهم.

ورأي الدولة أو المسئولين المعنيين فيها جاء مؤيدا لهذا النظام بل ومساهما في تقنينه بحجة أن دوائرها الأمنية، والعسكرية لم تكتمل بعد إلى مستوى تقديم الحماية الرسمية إلى جميع المسئولين، وإن أجهزتها المختصة لم تمتلك قاعدة المعلومات المناسبة لتدقيق الهوية والمتابعة، ولا الكفاءة الفنية للحماية السليمة في موقف قتال مثل الذي يجري في الساحة بالوقت الحاضر.    

إلا إن هذا النظام الذي لا يطبق في مجتمعات تمتلك فيها الدولة مقومات الهيبة والوجود، وطبق عرضا في العراق نتج عن تطبيقه أمور سلبية عديدة بينها:

التعزيز الفعلي لجوانب الطائفية، والقومية بعد أن وجد السياسي، والمسئول الحكومي نفسه مدفوعا إلى القرابة، ومن بعدها العشيرة ثم المنطقة، وأخيرا الحزب لقبول أفراد حمايته، والعاملين القريبين منه بطريقة أعطت إنطباع لدى الآخرين بتعزيز الطائفية في سلوك المسئول والمحيطين به.

ومن بينها الإسهام بنشر معالم الفساد بعد أن أثبتت الوقائع والأحداث أن أفراد الحمايات القريبين من المسئول يسعون في بعض الأحيان إلى التفتيش عن ثمن لمجازفتهم العالية في البقاء قرب المسئول وتأمين حمايته، والثمن عادة ما يكون توسط، وتمشية معاملات، وإقرار عقود لقاء مبالغ تدفع مسبقا تسهم من جانبها في نشر الفساد الذي ينخر في جسم الدولة المنهك.

ومن بينها أيضا وأكثرها خطورة إيجاد ثغرة في الجدار الأمني للمسئول الذي أطمئن لعدم وجودها بسبب القرابة، والمعارف الموجودين كما حصل في محاولة اغتيال السيد نائب رئيس الوزراء الدكتور عبد السلام الزوبعي يوم الجمعة 23/3/2007 التي نفذت من قبل أشخاص في المحيط الموجود حوله طالما أعتقده غير قابل للنفاذ، وكما حصل من قَبل مع السيد نائب رئيس الجمهورية الدكتور عادل عبد المهدي بعد أن وضعت قنبلة تحت كرسي في قاعة إجتماعات يحضرها، وكذلك السيد رئيس مجلس النواب عندما فُخخِت إحدى سيارات حمايته، وغيرها حوادث تؤكد أن هذا النوع من الحماية "القرابية" أو العشائرية خطر على أمن المجتمع، والمسئول بدرجة تفوق نسبة الخطر الذي يمكن أن يكون موجود في نظم الحماية التقليدية التي تكون فيها الدولة بأجهزتها المختصة معنية بحماية المسئولين من قبل وحدات خاصة فيها المنتسبين مدربين يخضعون بين فترة وأخرى إلى تدقيق في الهوية والمعلومات، ويدخلون دورات لتحسين الأداء، والكفاءة البدنية، والعقلية، وفيها أقسام للأمن تراقب أولئك المنتسبين من حيث لا يعلمون لضمان حسن تحركهم، وحمايتهم من تأثيرات الخرق الجانبي، وفيها قيادات من ضباط أكفاء، وهيئات تُزَودُ بالمعلومات، وبوسائل اتصال، وتحذير تسهم جميعها في تقديم ضمان لحماية أمن المسئول بدرجة تفوق ما يقدمه النظام القرابي المتبع حاليا.      

إن حادثة الدكتور الزوبعي تعطي العديد من المؤشرات التي تدفع إلى ضرورة المناداة بتحمل الدولة مسئولية الحماية وتبديل النظام القائم في الحماية تماشيا مع الحاجة إلى الأمن، وإلى مستلزمات قيادة الدولة بأساليب ووسائل حضارية تنسجم والدعوة إلى تطبيق الديمقراطية وإعادة بناء البلاد.