النجف ومفهوم الربح والخسارة


في الأزمات التي يصل فيها التضاد حد استخدام السلاح يتحرك المشاركون في ساحتها باتجاهين رئيسين أو أكثر، يكون الأول فيهما باتجاه تحقيق اكبر قدر من الربح يمهد لتأمين غاية ما يرونها مناسبة، والثاني سعي لتكبيد الخصم المقابل أكبر خسارة ممكنة تحول دون تحقيق غايته التي يقاتل من أجلها، وهكذا يستمر الصراع بين الأطراف حتى يصل النقطة"العتبة" الفارقة التي يدرك الرابح فيها أن ما تم تحقيقه كافيا لتأمين غايته، ويدرك الخاسر فيها بنفس الوقت أن مزيدا من الخسارة سوف تهدد مصيره. وهذه نقطة يمكن الوصول إليها بسهولة في الحروب التقليدية، وكذلك في الأحداث التي تقع بين طرفين متحضرين، لكنها وفي حال التصارع عسكريا بين حكومة وأطراف أخرى من أبناء شعبها، أو بينها وآخرين يختلفون عنها عقائديا من الخارج يكون الوصول إلى تلك النقطة إي ادراك مستويات الربح وكم الخسارة مسألة صعبة بسبب طبيعة الإنفعالات (الأحقاد) التي عادة ما تغلف معالم التفكير لأحد الأطراف أو لجميعها، وكذلك لتدخل متغيرات في الصراع لا علاقة لها بالغاية التي يريد الوصول إليها كل طرف من الأطراف الرئيسية. وهذه حقائق نفسية يمكن تفهم طبيعتها لمن تابع أحداث النجف وشكل القتال الدامي بين معسكر الحكومة وفرق الصدريين للأسابيع القليلة الماضية، حيث التقرب من الوصول إلى العتبة الفارقة والابتعاد عنها إلى نقطة الانطلاق ثانية وثالثة حتى تدخل طرف آخر في الساحة" آية الله العظمى السيد السيستاني" وبسلاح نفسي قوامه الحث على ملأ ساحة القتال بأعداد هائلة من البشر لا يتحمل الفريقين باستمرار قتالهما هول أو جسامة الخسارة التي يمكن أن تتكبدها تلك الجموع التي حضرت تلبية لنداء السلام وحقن الدماء، وبطرحه المبادرة بنقاطها التي لا تُشعر أحد من الفريقين الرئيسين المعلنين أنها ليست في صالحه تماما، الأمر الذي دفعهما إلى بلوغ تلك العتبة الفارقة والتوقف عن القتال بوقت قياسي. وهو دفع لم يأتي كنتيجة حتمية لمعادلة الصراع المذكورة في أعلاه أي إدراك كفاية الربح لتأمين الغاية والاعتراف بهول الخسارة التي تحول دون تحقيق الغاية كما هو معتاد أو متوقع في سوح القتال، لكنه هذه المرة دفع للفريقين في أن يدركا ولو مؤقتا " وهو المطلوب " أن الواحد منهما رابح بشكل معقول لبعض الجوانب، وخاسر بقدر معقول لبعض الجوانب الأخرى. فالصدريون على سبيل المثال تنبهوا في الأيام الأخيرة إلى تفوق القوات الحكومية المدعومة بقوات متعددة الجنسيات، وتيقنوا أنهم يقاتلون في منطقة النجف القديمة التي لا تصلح للمناورة ومد القتال إلى مناطق أخرى كما هو الحال في قتال المدن وحرب العصابات، وأدركوا أن التمسك بالصحن الحيدري كمقر رئيسي للقيادة والدفاع يثير الحساسية الدينية بنسب عالية، وعليه فهموا المبادرة تجاوزا لتلك المعطيات وتجنبا لمشروع ذبح لمريديهم كان حدوثه مقررا في غضون ساعات، وهذا ربح معقول وإن خسروا أرضا هي الأصلح للقتال . والحكومة من جانبها وإن كانت متفوقة عسكريا، لكنها تتجنب استخدام القوة المفرط ضد أبناء الشعب وهي في الطريق لبناء المجتمع الديمقراطي، وتتحسس من أية خسارة محتملة بالأرواح داخل الصحن الحيدري قد تثير تعاطف عراقيين آخرين مع الضحايا في داخله، عليه وجدت في المبادرة ربحا أي نجاحا في تحقيق الجزء الأكبر من غايتها بإخراج الصدريين من الحضرة وإلقاء أسلحتهم الذي سيوفر لها فرصة التخلص من موضوع الاحراج في القتال داخل النجف ويهيئ لها فرص القتال خارجها، وإن خسرت إمكانية الردع النفسي الذي كانت تتأمله من عملية الحسم عسكريا. على هذا الأساس خرج الفريقين الرئيسين رابحين نفسيا، وكذلك الشعب العراقي، وعلى نفس الأساس تبين أن الرابح الأكبر في ساحة النجف المعقدة هو السيد السيستاني الذي سجل في العقل العراقي والعالمي أنه وهو العائد من المشفى قادر على ما لم يقدر عليه الآخرون، وإنه ما زال اللاعب الأقوى في ساحة شهدت وستشهد المزيد من التعقيد.              

د. سعد العبيدي                                     31/8/2004