المصالحة تبدأ من هنا


في أول يوم حكمٍ له، بعد أنتخابه رئيسا لجنوب أفريقيا، عينَ مانديلا أشخاص بيض في حمايته الخاصة دون أن يستشير المسئول الأول عن حمايته من السود، وعندما ألتحقوا بجهاز الحماية الرئاسي الخاص، تفاجئ المسئول، وأستغرب حصول مثل هذا الأمر، فذهب متوترا إلى الرئيس، يستفسر عن حقيقة التعيين الممهور بتوقيعه أي الرئيس شخصيا، محاولا إفهامه خطورة وجود مثل هؤلاء البيض في مهام خطيرة، فرد عليه بجملته المعهودة " إن المصالحة تبدأ من هنا".

لقد بدأت المصالحة في جنوب أفريقا التي يتمايز فيها الناس عرقيا، ودينيا، وقبليا، وجنسيا، وفكريا، من الرئيس، ونجحت بإمتياز، نجاحا، تفتخر به تلك البلاد التي نهش فيها البيض أجساد السود، وأحس فيها السود أنهم عبيد لعشرات السنين، وحُسِب هذا النجاح لمفاهيم نيلسون مانديلا، وعظمته في التسامح، والتجاوز على آلام التمييز البغيضة، ولطريقته في الشروع بالمصالحة من الأعلى، من الرئيس الذي داس بإصبعه على جرح بقي مفتوحا لأكثر من ثلاثين عاما في سجن كئيب، وجازف بحياته وهو يعلم جيدا أن وجود بيض من حمايات الرئيس العنصري السابق، بين حمايته القريبة من مكتبه ومنامه، خرق ٌأمني يمكن أن يودي بحياته، وتحمل نقد السود القريبين منه في الدولة والحزب، وشدة ضغوطهم، وخصص من وقته الكثير لإقناعهم بأن المصالحة بحاجة إلى تضحيتهم، وهي الكفيلة وحدها بضمان رفاه عيشهم وابنائهم من بعدهم. فنجح الرئيس مانديلا، وسُجِلَ له، أنه من بين أعظم الرؤساء، بل وأعظم الرجال، وسيبقى كذلك خالدا في عقول الناس، وفي صفحات كتب التاريخ.    

مطلوب في العراق ولمصالحة أهل العراق، القريبين من بعضهم البعض دينيا، وثقافيا، وأجتماعيا، وقوميا، وفكريا، مانديلا عراقي، يقبل وهو في المستوى الأعلى وجود أشخاص في حمايته، وفي أمنه الخاص، من بين السنة والأكراد والمسيحيين، وهو شيعي، وإذا ما حذره القريبين من وجودهم بين المؤتمنين من حوله، يرد عليهم كما هو رد مانديلا، ويقبل المجازفة بوجودهم، لأن المصالحة تستحق ذلك وأكثر بكثير. ويقبل أن يكون مدير مكتبه، شيعيا أو كرديا فيليا أو آشوريا، إذا ما كان هو سنيا في الأصل، وإذا ما ألح عليه أهل الرأي من حزبه وحذروه من وجود غير السني بين صفوفهم، يرد عليهم ذاك الرد المعهود، ويقبل نقد القريبين، ويحاول تغيير نهج تفكيرهم، لأن تحقيق المصالحة الفعلية، يحتاج إلى تغيير جذري في نهج التفكير، ويقبل أن يكون من بين مستشاريه، خليط من العراقيين، وأن لا يقتصر الوجود على الأكراد وهو كردي، وإن ذكرهُ البعض بآلام الماضي، وقسوة العرب الحكوميين، وإبتعاد التركمان، يرد عليهم برد مانديلا المشهور، ويقبل عتب القوميين من حزبه، ويسعى إلى تبديد مشاعرهم الإنفعالية، لأن المصالحة لا تنجح ومشاعر الحنق بقيت في العقول.

إن الظروف في العراق ملائمة لأن تنتج مانديلا، والمصالحة في العراق، لا تتم إلا على وفق السبيل الذي أنتهجه مانديلا، ومن يعتقد غير ذلك، وإنها تأتي فقط من عقد المؤتمرات، ومنح بعض الهدايا والمكرمات، والمراهنة على كثر السنوات، فهو واهم، وسيكتشف بعد أن يخسر نفسه والحكم، أن من بين أسباب خسارته هو عدم السير في الطريق الصحيح للتصالح، ومن يراهن على إبقاء الحنق الانفعالي، وسيلة كسب للجمهور، وسبيل ولاء وألتفاف للجمهور، فهو واهم ايضا، لأن الكسب في العراق إنفعالي، يتغير كما هو طقس العراق، والولاء عاطفي، يتبدل كما هو حال أهل العراق، وسيكتشف يوما أن الحنق إذا ابقيَّ وتفشى سيقترب من محيط دائرته التي تسهم بحنقها في تحقيق الخسارة والفقدان. ومن يؤسس على إبقاء الشعور بالحيف والاحساس بالظلم ماثلا في العقول، لتقريب الجمهور، لا يريد المصالحة ولا يقوى على الإصلاح، لأن من شروط المصالحة نسيان الماضي، والقفز فوق المشاعر والآلام.

إنها الطريقة الوحيدة للمصالحة الحقيقية، ومجالها مفتوح أمام من يحكم العراق في المرحلة المقبلة، وإنها السبيل الوحيد لتكوين رمزية القيادة، وعظمة الريادة التي تعين من سيأتي لأن يبقى في المقدمة، حاكما لكل العراق.  

                                                                               د. سعد العبيدي

                                                                               8/6/2010