نشر في أدبيات التجسس قضتين باتتا مشهورتين عن جاسوسين أمريكيين كان الأولفي أيام الاتحاد السوفيتي قضى فترة طويلة في مفصل من مفاصل الدولة مقرب من رجالها الكبار ومسؤولي الحزب الحاكم آنذاك، تم اكتشافه بالصدفة، أعترف بعمالته وخيانته الاتحاد السوفيتي، وعندما سؤل عن مهمته التجسسية فأجاب ببساطة أن المطلوب منه هو تنسيب الموظف الذي ترد معاملته للتعيين في المكان الذي لاعلاقة له بالتخصص الذي يحمله والخبرة التي يمتلكها وكلما كان ذلك ممكنا،فاختصاصي الكيمياء على سبيل المثال يضعه في الزراعة وخريج الزراعة يدفعه الى الكهرباء وهكذا تخسر الدولة الاختصاصين في آن معا ويرتبك العمل ويتدنى مستوى الأداء وتنخفض الدافعية.
وكان الثاني في يوغس لافيا إبان حكم الزعيم الكبير تيتو، الذي أخبره السوفييت أن أحد المسؤولين الكبار في حكومته، صديقه المقرب هو جاسوس أمريكي.لم يصدق تيتو الحكاية، ولم يتخذ اجراء سريع، وضعه تحت المراقبة الشديدة فلميجد أي نشاط تجسسي ولم تلبسه الشبهة، فأخبر السوفييت خطأهم في التقدير، لكنهم عاودوا الإصرار في التأكيد على إنه جاسوس أمريكي.
توجه تيتو بعد هذا التأكيد الى مكتب صديقه وفاجئه في السؤال عن دوافع تجسسه للأمريكان وهو المحارب الشرس بالضد من النازية والرفيق القريب منه والصديق العزيز اليه، فلم يجد إجابة سوى الانهيار والغرق في نوبة بكاء، عندها سأله عن المطلوب منه وما هي الأسرار التي نقلها عن دولته فأجابه أنه لم ينقل سرا قط،مهمته كانت تقتصر على وضع الموظف غير المناسب في مكان غير مناسب لتخصصه وخبرته، عندها تركه وسمح بإبقاء مسدسه الشخصي معه، وبعد خروجه من الباب سمع اطلاقة أنهت حياته مقاتلا ومسؤولا خان وطنه.
من هاتين الروايتين يتبين أن الدول في حروبها النفسية مع خصومها تعمل جاهدة على ارباك منظومة الإدارة والقيادة والسيطرة للجهات المقابلة لها، وأحد وسائل الارباك هو وضع الأشخاص المختصين في غير أماكنهم، وسيلة نفسية إذا مااتسعت ونمت على المدى البعيد ستسهم في إحداث حالة الفشل الوظيفي وربما الانهيار.
روايتين ومثلمهما مئات الروايات التي لم يتم التطرق اليها ومثلها مئات أخرى لم يتم اكتشافها، لو أردنا تعميميها لأغراض المقارنة ومتابعة النتائج على مجتمعنا العراقي نجد أننا مجتمع نعمل متبرعين دون الحاجة الى تجنيدنا جواسيس لأعدائنا من أجل تحقيق أهداف أعدائنا في إحداث فعل الارباك، فصدام حسين الذي تكلم عن الجاسوس الأول في أحد لقاءاته المتلفزة خرق هو أولا هذا المبدأ وعين وزير اللصحة كان مهندسا، وعين طبيبا في الزراعة متكئا على الرؤية الحزبية، معتقدا أن الحزبي هو شخص موالِ وما دام كذلك فهو قادر على تنفيذ المهام التي توكل اليهأ ينما تكون، وهكذا سار خلفه المعنيين بالتوزيع والتنسيب وكانت النتيجة تردي
مستوى الأداء وارتباك العمل كلف الدولة مستقبلها وكلف المجتمع العراقيةاستقراره.
ومن بعد صدام والتغيير عمل جل المسؤولين الجدد على وفق هذه الرؤية من باب أخرى لم يقتصر الاتكاء فيها على الرفقة والحزبية بل ومعها القرابة، فالقريب هناإن كان خريجا للابتدائية يمكن أن يكون مديرا عاما، وخريج الجغرافية قادر على إدارة مديرية في جهاز أمني متخصص، ونقيب في الجيش يقود فرقة مشاة وهل مجرى في سيل من الأمثلة لا أول لها ولا آخر تضاعفت في السنوات الثمانية الماضية وتضاعفت عدة مرات في الشهر الأخير قبل التكليف الرسمي للحكومة الجديدة. منها يمكن القول أننا نتبرع من عندنا لنعطي أعدائنا ما يريدونه دون مقابل،والنتائج بطبيعة الحال لا حاجة الى علماء ومتخصصين لمتابعتها فإنتاج الموظف العراقي في الوقت الحاضر هو الأقل في العالم أجمع والإخلاص في العمل هو الأدنى كذلك بالمقارنة مع دول العالم.
ان السبب أو مجموعة الأسباب التي تقف وراء هذا التردي الذي يقربنا من حافة الانهيار كثيرة والحمد لله من بينها هذا الخطأ الكارثي الذي يرتكبه كبار مسؤول يالدولة في اصدار أوامر النقل والتنسيب ومنح الرتب والدرجات بدوافع النعرات القرابية والطائفية والحزبية وكذلك نتيجة إعتقاد المسؤول الموهوم من أنه الدولة.إن المجتمع العراقي وبسبب هذه الأخطاء الجسام متوجه الى كارثة نفسية وظيفية لابد من الاستعداد لها والسعي الى اصلاح ما يمكن إصلاحه قبل حلول الكارثة،وأحد معالم الإصلاح إعادة النظر بالأوامر والدرجات والتعيينات والرتب من مدير فأعلى والتأكيد على العمل بمبدأ الشخص المناسب في المكان المناسب قبل فوات الأوان...!
4/10/2014