المادة خمسين وحقوق الأقليات المهدورة


فرح أبناء الأقليات العرقية والدينية من المسيحيون والايزيديين والشبك والصابئة المندائيين العراقيين، واستبشروا خيرا بالتغيير والديمقراطية التي يفترض أن السير في طريقها الطويل منتصف عام 2003 يوفر فرص منحهم كامل الحقوق القومية والدينية أسوة بإخوانهم العراقيين من باقي المذاهب والأقوام، بعد أن عانوا كثيرا من التهميش والإقصاء، وحساب المواطنة الثانية والثالثة في بلد هم سكنته الأصليون، ولهذه الغاية ولدوافع الوطنية عاون معارضوهم أحزاب المعارضة العراقية في حربها مع صدام، ووقف العديد من سياسيوهم معها في العملية السياسية بعد أعتلائها  سدة الحكم بعد العام المذكور، سعيا منهم لدعمها وتوفير الفرصة لمواطنيهم في أن يعيشوا على قدم المساواة مع باقي العراقيين، إلا إنهم فوجئوا مع أول فرصة أختبار لكسب الحقوق، وتعميم العدالة في البرلمان العراقي بأن الكتل السياسية التي آزروها وكانوا جزءا منها في الظروف الصعبة لإعادة البناء قد نسيتهم أو تناست وجودهم عند إعادة صياغة قانون إنتخاب مجالس المحافظات بعد نقضه من مجلس الرئاسة بداية هذا الشهر، حيث سقطت سهوا مادته الخمسين المخصصــة لتمثيـلهم في المجالس أو ما تسمى بالكوتة في أحتدام النقاش العبثي تحت ضغط الوقت والأستحقاق أو أسقطت عمدا من جهات برلمانية في ظروف الجدال الإنفعالي، لم تعر سقوطها الجهات الأخرى أي أهتمام.

مهما يكون وضع السقوط فإن جميع البرلمانيين وكما هو معتاد قد تنصلوا من مسئولية حدوثه، وتمادى بعضهم أكثر في النفي الوقائي للتهمة عن حزبه أو كتلته عندما توجهوا إلى مصادر الإعلام يتباكون على حقوق الأقليات وكأن لا أحد منهم كان السبب في الحكم بوأد هذه الحقوق.

إن إسقاط هذه المادة من القانون وإن أفترضنا حسن النية في ســقوطها فـي زحمــة النقاش العاصف والحوار الساخن بين الكبار، وآمنا جدلا أن أحدا لا يتحمل القصد من فعل أريد له أن يكون، فإنه أي السقوط يدلل أن غالبية أعضاء البرلمان وكتلـه الفاعلة ما زالوا يعملون باتجاه تجسيد فكرة الحزب القائد، فلسفة للتسلط والأستحواذ لم تبرح العقل العراقي منذ تأسيس دولته الحديثة عام 1921 وحتى عصر ما بعد التغيير الذي أريد له أن يكون من الناحية النظرية عصر الديمقراطية التي لا يمكنها أن تنبت وتنمو عمليا في ظل هذه الفلسفة الغابرة، وما زال بعضهم جادا في سيره للسعي إلى تعزيز أهدافه في السـيطرة والأســـتعلاء علـى الغير في عراق سوف لن يهدأ أمنيا، ولن يستقيم سياسيا إذا لم تتحقق أهداف أهله من الأقليات في المساواة مع غيــرهم، إذا ما أخذنا بنظر الأعتبار أن طبيعة التواصل والأتصال في عالم اليوم، وشكل العلاقات، وقدرات الدعم والتمويل، وإمتدادات التدخل في العراق الذي تعج ساحته بممثلين عن كل أهل الأرض دونما أستثناء، توفر جميعها فرص سانحة لأية جماعة عرقية أو دينية مهما كانت صغيرة في أن تحصل على ما يعينها على التمرد وإثارة المشاكل لأية كتلة سياسية أو قومية تريد أن تستأثر بالحقوق، وتستفرد بالحكم، وتستطيع أن تضع في طريقها الكثير من العراقيل، التي يفتح وضعها ثغرة في جدار الأمن العراقي المليئ بالثغرات، حقائق لا بد أن يأخذها البرلمانيون بالإعتبار في منح الحقوق إذا لم يأخذوا الجوانب الإنسانية ومقتضيات تطبيق الديمقراطية في هذا الإعتبار.

 

د. سعد العبيدي                            14/10/2008