الكوت والمعاهدة والانتماء الوطني


أثيرت قبل أيام مشكلة في الكوت، نتيجة لمداهمة قوات أمريكية بيتا لعائلة في الكوت تمتلك عنه هذه القوات معلومات أستخبارية مفادها أن شخصا موجودا فيه يعمل مع جماعات خاصة على تهريب الأسلحة من إيران الى جماعات إرهابية منشقة، وأثنائها أي المداهمة قُتل إثنان من أهل البيت، وتبين لاحقا أن القوات الأمريكية المهاجمة لم تستحصل موافقة الحكومة العراقية كما هو منصوص بالاتفاق الأمني الذي تم بين الجانبين العراقي والأمريكي، فتطور الموقف إلى مستوى التظاهر ثم الأحتجاج من قبل الشارع الكوتاوي والحكومة المركزية في بغداد، بطريقة لا تصب سبلها في صالح الاتفاقية المذكورة التي امتحنت في السابق وستمتحن في المستقبل غير أمتحان الكوت المخيبة نتائجه للآمال والذي لم يكن الموقف الاستخباري والعسكري الحاصل في ساحته عاملا مساعدا لتسهيل تمرير هذه المعاهدة في الاستفتاء القادم على وجودها، بالإضافة إلى ما سيتسببه من حرج كبير باتجاه التمرير لشريحة المؤيدين لذلك من داخل الحكومة وخارجها. وعلى وجه العموم يمكن في مجالها وتطورات أحداث الكوت القول أن لا أحد من الجانب العراقي والأمريكي على حد سواء يستطيع في واقع الأمر أن يضمن منذ اللحظات الأولى لتوقيعها حسن سلوك الجندي الأمريكي أثناء تنفيذه مهام ميدانية تقتضي طبيعتها التعامل المباشر مع المواطن العراقي، ولا أحد من الجانبين يمكنه التعهد بنزاهة وجدية الالتزام بما مكتوب ومتفق عليه بين الجانبين غير المتكافئين عسكريا وسياسيا، والنوايا الحسنة التي كانت موجودة خاصة من الجانب العراقي لم تكن وحدها كافية لحماية المواطنين العراقيين من تجاوز جنود الاحتلال في ساحة حرب باتت ردود الفعل فيها عصبية، وباتت أصابع العسكري الأمريكي خلالها على الزناد لا تفرق الضغطة فيها بين مواطن عراقي صالح وآخر مجرم مشبوه. ومع ذلك فهي حادثة لم تكن الأولى في سلم الحوادث المتكررة وسوف لن تكون الأخيرة في ساحة قتال متداخلة متشابكة فيها الأهداف، ومتشعبة فيها النتائج تبين حصيلتها المحزنة أن التنسيق الذي جرى من قبل القيادة العسكرية الأمريكية الميدانية مع آمر اللواء العراقي الموجود في المنطقة المذكورة اي الكوت "إن حصل بالفعل" فإنه قد حصل في اللحظات الأخيرة قبل التنفيذ لحسابات الأمن وعدم الثقة بالقيادات العراقية الميدانية، وقد حصل من جانب آخر باتجاه إسقاط فرض لا يحرج أسقاطه الحكومة الأمريكية قانونيا في حال تطور مجريات الأحداث القتالية سلبيا.

وتبين ايضا أن القيادة العسكرية الميدانية العراقية في الكوت "إن إتصلت بها القيادة الأمريكية ولم تبلغ قيادتها العليا" فيحق عندها الوصف بأنها قيادة تشعر بالرغبة إلى الانتماء المعنوي إلى الجانب الأمركي أو بدونية الانتماء اليه بمستوى أخل بأرتباطها الوطني بالمؤسسة العسكرية العراقية، وهو نوع من الانتماء المتعسر دفعها الى السكوت عن الموضوع أصلا وعدم تبليغ قياداتها العليا حسبما فهم من سير الأحداث، وربما نفذت أوامرها بعدم التبليغ، هذا وأي كانت الدوافع فهي قيادة تصرفت تصرفا غير وطنيا من جهة وغير مهنيا من جهة أخرى تستحق عليه الملامة والعقاب. وتبين أن القيادات الميدانية العراقية بحاجة الى ضوابط وسياقات عمل تحدد صلاحياتها بالتنسيق مع الجانب الأمريكي الذي فرضت بنود الاتفاقية قدرة له بالتحرك في المحيط العراقي الممتد من اقصى الشمال الى أقصى الجنوب. وتبين كذلك إن الحكومة العراقية وأن أحتجت وشجبت فهي بحاجة الى أستخدام الحزم في التعامل مع القيادات العسكرية التي تتجاوز معايير المواطنة العراقية ، وأصول العسكرية العراقية، وبعكسها أي في حالة عدم أتخاذ إجراءات مناسبة سيتحول الولاء تدريجيا من الولاء المفترض للعراق إلى ولاء للاجنبي مهزوز طالما حذرت الثقافة العراقية من الركون اليه عبر أكثر من نصف قرن من الثقافة الموجهة لا نريد في أيامنا هذه العودة إلى مفاهيمها مجبرين فنعزل أنفسنا وننعزل عن الآخرين، ولا نريد أن تحدد ساحة القتال طبيعة تعاملنا مع القوات الموجودة على أرضنا بحكم الظروف،  ولا نريد أن نخسر مواطنتنا وذاتنا العراقية المميزة بتعدد الانتماءات لضعاف النفوس، ولا نريد كذلك أن تفوتنا فرص التعامل مع الحضارات الغربية المتطورة قد تكون متاحة للنهوض بالبلاد، ومجالا لتعويض الفاقد من الزمن المهدور. إنها معادلات تحتاج الموازنة في مجالها إلى قادة عظام وسياسيين أفذاذ وعسكريين مهنيين أكفاء، يمكن أن يكونون موجودين في العراق.         

 29/4/2009