الكتابة في الزمان


لكل كاتب تصوراته الخاصة ووجهات نظره المحددة عن المواضيع التي يكتب فيها، وعن الوسيلة التي يكتب لها، والغاية التي يريد بلوغها ....... حقيقة وإن يصعب التقيد بمعناها الحرفي في وقتنا الحالي بعد التشظي الذي أصيبت به البنية الأساسية للمجتمع العراقي بعد الإحتلال، إصابة فتحت الباب واسعا إلى العديد من الدول الأجنبية، ودول الجوار، وكثير من الأجهزة الأستخبارية القريبة منها للعراق والبعيدة عنه، لأن تمد نفوذها إلى داخل الوطن الجريج من خلال الصحافة وبعض وسائل الإعلام التي أستخدمت للتحريف والتشويه، وهي إصابة تسببت أيضا في إغراق الشارع العراقي بمئات الصحف اليومية وبما يزيد كثيرا عن القدرة على التمييز، والقراءة والإطلاع، فأسهمت مع غيرها من الوسائل في زيادة التشتت وبعثرة الأفكار.

ومع ذلك تبقى هذه الحقيقة ماثلة أو جزء منها على سبيل المقارنة وضرب الأمثلة والإستشهاد، ومثلنا في مجالها صحيفة الزمان التي أستقطبت منذ تاسيسها صحيفة عربية كثير من الكتاب والمعارضين العراقيين للتعبير عن آرائهم ووجهات نظرهم في ظروف كان من الصعب التعبير فيها عن الرأي السديد، وأعطت لجميعهم دون أستثناء كان موجودا وبات شائعا في أيامنا هذه فرص لتقديم الحقائق، ونشر الأفكار، وإنتقاد البعض من الآراء في أتجاه أريد له أن  يكون عراقيا وطنيا، سليما من أمراض الكره والإحتقان.

كانت تلك مرحلة ثَبتتْ فيها الزمان نهجها العربي الحر، غير المنحاز إلى طرف دون آخر، ينبغي تذكرها إنصافا للحقيقة، ودعما للصحافة الحرة، وأستذكارا للتاريخ، وهي مرحلة كانت مليئة بالظلم، وجسامة الأحداث، وكثر التحديات، مهدت لأخرى جديدة لما بعد الإحتلال والتغيير كانت الأقسى والأشد وطأة وضغطا على العقل العراقي المتعب، حيث التشوه في القيم والمعايير، والإنحياز واضح المعالم للطائفة والقومية والمدينة حد التعنصر إلى العشيرة والفخذ الذي تبنته أحزاب وقوى سياسية، ووسائل إعلام بينها صحف وفضائيات شكلت أقوى عوامل الإثارة والفتنة والإقتتال بين أبناء الوطن الواحد، ومازالت بعضها كذلك حتى وقتنا الراهن تغذي الفرقة والحقد بعوامل الديمومة والأستمرار، وخلالها أي المرحلة التي بدأت بعد 9/4/2003 أكدت فيها الزمان ذات النهج الذي خطته حيادية في المسافة الفاصلة بين اليمين واليسار، ومتوازنة في الطرح بين الطوائف والأقوام، وبعيدة عن اساليب الإثارة الإنفعالية، بل وأقرب إلى التهدءة وإعادة تشكيل المفاهيم الوطنية الأصيلة في السياسة والصحافة وشؤون المجتمع الذي بات العراق في وضعه الحرج محتاجا إليها لتقريب المسافات التي أوجدها الأجنبي بين الأخوة والأشقاء، ولرأب الصدع الذي كونه الأجنبي في جداره الصلب، ولإعادة تعزيز المشاعر الوطنية التي بددها الأجنبي ولاءات متعددة يمتد قسم منها إلى خارج العراق، ويتعلق قسمها الآخر بالحزب والطائفة على حساب العراق، وهذه مهام، وأخرى غيرها تعد جوهرية لترميم التصدع، وتصحيح الخطأ الكفيل بعودة العراق إلى أهله عراقا آمنا مستقرا، مرفها، مستقلا..... مهام تبنتها الزمان على الرغم من المخاطر التي واجهتها وكتابها وفنييها على طول الطريق المزروع بالألغام، نأمل أن تبقى في مقدمة المتبنين والسائرين إلى تحقيقها حتى يأتي اليوم الذي يتحرر فيه العراقيون تماما من أفكار التطرف، والإتهام، والإقصاء، والتعنصر، ويشهدوا مع غيرهم أن جل الفضل في تحررهم عائد إلى الصحافة المنصفة النزيهة، وفي مقدمتها الزمان.  

د. سعد العبيدي                                             9/5/2008