يسأل الـماشي، والشخص الجالس في مكان قريب والداني عن أسباب هذا الهياج الجماهيري للتظاهر ضد الدولة والعملية السياسية وعن القدرة الكامنة وراء استمراره للشهر الثاني على التوالي، ويجيب الكتاب والمحللون وأصحاب الفكر والقريبون من الدولة والبعيدون عنها، بأن ازدياد نسب الفقر، والاحساس بالعوز والشعور بالحيف من التمييزبين هذا وذاك وبين أبناء هذا المكون وذاك، وفقدان معنى العدالة في التعامل والاجراءات،ودرجة الإحباط العالية التي يعاني منها الغالبية في المجتمع غير المستقر أمنياً هي في الغالب الأسباب الظاهرة خلف هذا التوجه للتظاهر والاحتجاج، وهذا صحيح. لكنها أسباب كانت موجودة منذ سنين، يعاني منها الكثيرون ويدرك وجودها الغالبية من السياسيين، ومعهذا لم يحدث احتجاج لوجودها بهذه الشدة التي حدثت في تشرين الأول والثاني من هذاالعام ٢٠١٩، الأمر الذي يدفع الى التفتيش عن عوامل إضافية، الأهم منها هو هذاالإحساس الغامر لعموم المجتمع العراقي بفقدانهم احترام الذات وتقدير الدولة، وهذا الفقدان قد شكل حافزاً للتظاهر أو بالمعني النفسي دافعاً لاستعادة مقادير الاحترام المفقودة التي تشكلت خلال الستة عشر سنة الماضية من تراكم الصور العقلية المشوهة عن الخطأ الموجود في الشارع وفي دوائر الدولة، إذ وعندما يتم المرور على سبيل المثال من على رصيف للشارع، يدركه الشخص المار أنه رصيف مليء بالحفر، لا يصلح للمشي، وعند النظر الى المدارس والكليات والتدقيق في المنتج يدرك الناظر أنه اسهام في تخريب العمليةالتعليمية، ولما يقف شخص على حافة نهر ويراها مكباً للنفايات، ويرى مجاري الشارعأمام بيته قد طفحت مياهها الآسنة واختلطت بمياه الأمطار مكونة وحل بشكل خاص، ويرىصاحب المحل التجاري كيف تجاوز على الرصيف أمام محله وسد الطريق الوحيد. ويرىشارع الرشيد قد تعطل لستة عشر عاماً دن سبب مقنع، وعندما يكون لميكانيكي السياراتمحلاً بين بيوت المحلة، وللنجارة معملاً وسط المحلة، ومخازن الخشب والمواد الصحيةمنتشرة في محيط المحلة، وعندما تتكدس الزبالة في قطع الأراضي الفارغة وتسوءالخدمات الصحية وتتلكأ الدوائر الحكومية، وتنشط العشيرة على حساب سلطة الدولة،أعمال نقوم بها نحن، تحسنا ومن غير أن ندري ببشاعة فعلنا نحن.. إحساس يقللُ بالتدريجمن احترامنا لذواتنا وتقديرنا للدولة التي نعيش في كنفها، ويبدو أن هذا الاحترام عندما تقل مستوياته وتقترب من الدرجة الدنيا يصبح تحسسه مؤلماً يصعب تحمله نفسياً، الأمر الذي يدفع بالناس الذين يعانونه بالمطالبة بتعديله، والتعديل يأتي عادة من اصلاح الحال وتلك الصور العقلية المشوهة عن الواقع، ولأن آلية التعديل صعبة، واستجابة الدولة غير كافية،تحولت الرغبات الى مطالبات وكأنها تريد إعادة مستويات الاحترام للذات والدولة الى المستويات المقبولة، وهذا أمر بالغ التعقيد لن يتم الا من خلال عمليات الاصلاح الحقيقية.

٢٣/١١/٢٠١٩