العوامل النفسية في حرب المساجد العراقية


من الواضح للعيان أن من يتوجه إلى تفجير جامع في حي تسكنه أغلبية شيعية، أو تديره جهة محسوبة على تنظيم سياسي ديني شيعي، لم يهدف عند توجهه إلى التفجير تدمير الجامع، والتمهيد لإعادة بناءه سنيا أو تقليل عدد الجوامع والمصليين، لأنه يعرف تماما أن ذلك لم يتم حتى في زمن كان الجميع يخشون البوح بكلمة تعبر عن مشاعر وأحاسيس، وبنفس المستوى من الوضوح يكون من غير المنطقي أن من يتوجه فورا بعد أي تفجير بجامع شيعي للرمي على مسجد تحيطه أغلبة سنية، أو تديره إدارة الوقف السني يهدف من بتوجهه للرمي تدمير المسجد، أو احتلاله، وتغيير معالمه وأسلوب الصلاة فيه، أو تحويله إلى مدرسة، أو متحف للتاريخ لأن ذلك غير ممكن في عصر النشر والتوثيق، وحرية الإعلام، وغير مقبول من الناحية الشرعية.

ومن الواضح للعيان أيضا أن الهدف الأساسي للتفجير، والرمي هو إحداث أكبر قدر ممكن من الخسائر المادية، والبشرية التي تدفع الطرف الخاسر (نفسيا) إلى الانفعال غضبا بدرجة عالية، وبسرعة كبيرة مصحوبة بشحنة عالية من العدوان يفقد في حالها المعنيون القدرة على الضبط، والتركيز فيتجهوا باحتمالات عالية نحو أهداف بالضد للتخفيف من الأثر النفسي للعدوان، وبسلوك يحاولون أن تكون شدة التدمير فيه تفوق ما حصل معهم أو لأتباعهم، وهكذا يخطط أعداء العراق لإدخال طرفين أو أكثر دائرة مغلقة من الغضب، وإثارة العدوان، ومن ثم التنفيس فتتكرر الحالة ضمن محيط نفسي لها  مطلوب أن تمتلئ الأجواء المتحركة في داخله بتلك المشاعر السلبية لتستقطب بتحركها العديد من الخائفين لمداراة خوفهم، والحاقدين لتنفيس حقدهم، والطائفيين لتحقيق مآربهم، والجهلة لإثبات ذاتهم، والمستفيدين لتوسيع هامش ربحهم وغيرهم الكثيرين في مجتمع التغيير، وباستقطابها مثل هؤلاء وغيرهم تكبر الدائرة في العقول، وتغلق كل منافذها، وقد تتوالد فتنقسم إلى أخر في كل حي، ومنطقة عندها تعم الفوضى، وينفلت زمام الأمور، وتسجل رسميا أن هناك حرب أهلية يغيب فيها السياسيون، ويختفي العقلاء، وتغلق منابر الفكر، ويهاجر العلماء، وتهدم المدارس، والمعامل، والمتاحف، وتظهر المليشيات بدلا من الجيش، وكذلك تعمل العصابات بدلا من الشرطة، ويعتلي العرش أمراء حرب في كل حي، ومنطقة، ومدينة، عندها سيترحم العراقيون على كل أزمنة الماضي، ويتمنون عودة الدكتاتور، وسوف لن يتوقفون عند قبول التقسيم لثلاث دول تستمر في مقاتلة بعضها إلى يوم الدين، بل ويقبلون أن تكون لكل مدينة دولة ، ولكل عشيرة إمارة فيعيدون تاريخ أجدادهم في الأندلس، وأواخر حكم العباسيين.

تلك هي غاية من يخطط لحرب أهلية في العراق، وما تفجير الجوامع ومهاجمتها إلا صفحة من صفحات التمهيد لحصولها، ومنها نستنتج أن ماضي العراقيين، وأسلوب عيشهم، والقدر المعقول للتمسك بالدين، وشدة التعب من كثرة الحروب دفعت وما زالت تدفع دون حصولها رسميا، لكن هذا الدفع سوف لن يبقى بنفس القوة لأن الطاقة تستنزف، ودائرة الحقد والعدوان تكبر، ومصادر الدعم من الخارج تتسع، والأدوات في الداخل تتوفر، والسياسيون ما زال العديد منهم في غفوة وشبه تخدير بعيدا عن ما يجري من حولهم من تآمر وتطورات.

إنها غاية درست في الخارج بإمعان، وتنفذ في الداخل بخطوات متقنة، لا يمكن الحيلولة دون  وقوعها إلا إذا أدرك السياسيون خطورة الموقف وتصرفوا بما يفيد العراق، وأبتعد رجال الدين عن التدخل بالسياسة واكتفوا بالتوعية والنصح والإرشاد، وتفهم العموم من العراقيين الموقف وطوقوا تلك الدائرة الرهيبة، وأسهموا مباشرة في تفتيتها، أو توجهوا لإغلاق بيوتهم، ودواوين عشائرهم  أمام الأغراب والسلفيين كأضعف الإيمان.

د. سعد العبيدي             8/4/2006