حقاً لم تحل السياسة في العراق مشاكله المتعاقبة منذ تأسيس دولته حتى وقتنا الراهن، مع فروق في هذا الشأن نسبية، بين مرحلة حكم وأخرى، تدفع الى القول أن البعض وإن لم يحلوا فقد حافظوا على حلول كانت موجودة، وآخرين بدلاً من أن يحلوا أسهموا في انتاج مشاكل ليس لها حلول، وهكذا كانت المحصلة السياسية مشاكل قائمة أكثر من الحلول hلمطروحة. وحقاً لم تخلوا بلادنا من الكفاءات، فكان البعض من القلة كفؤاً حد الإشادة والتبجيل، وآخرون لا يصلح واحدهم لإدارة قطيع غنم، والمحصلة تراكمت المشاكل وتضخمت حدوداً أيأست أهل البلاد ووضعتهم في دوامة قلق شبه دائم.

لكن العراق لم يكن وحده يحمل في داخل منظومته السياسية والإدارية هذا التناقض الذي يعيق المعالجة ويحول دون طرح الحلول الفاعلة، فكثير من البلدان فيها مثل هذا النوع من التناقض أو قريباً منه على وجه التقريب، الا إن أنظمة الإدارة والحكم فيها قد نُظمت بطريقة الحاكم والمعارض وكأن هناك جهد لتنبيه الحاكم عن المجالات التي تدفعه الى الخطأ أو تلزمه أن يفتح عينيه ليشاهد الخطأ.

ولو قارنا هذا الافتراض مع واقع لنا في العراق، سنجد أن السياسي في الغالب وحال تسنم المسؤولية كمن يغمض عينية أو قد أصيب بالعمى الوقتي، إذ يمر قريباً من الخطأ ولا يراه،واذا ما نبهه أحد لا يعير اهتماما الى مثل هكذا تنبيه.

وإلا كيف لنا أن نفسر التجاوز على أملاك وأراضي وشوارع الدولة على سبيل المثال الذي بدأ بخمس أكواخ بنيت هنا ومثلها بنيت هناك، وقت تفاقمت الآن مشكلة لا حل لها. وكيف نفسر مشكلة ماء البصرة الذي يتم التجاوز على مجراه من قبل الناس فيحول دون وصوله اليها، ومثلها مشكلة الكهرباء التي يتجاوز على خطوطها الناقلة كثير من الناس، ليحرموا الآخرين من وصولها. وكيف نفسر المدن التي انشطرت، والقرى التي اختفت والمياه التي شحت والطرق التي تشققت، والعصابات التي تكاثرت، والجرائم التي تضاعفت، وغيرها مشاكل واضحة وضوح الشمس، لا يعيرها المسؤول اهتماً أو لا يراها وان يرى كل منحولها بوضوح.

لهذا نسأل عن السبب؟.

ولأن العلم والجامعات والبحث العلمي بات هو الآخر في بلادنا مشكلة كذلك لا ترى، علينا أن نفترض تفسيراً لما يحصل، واقرب افتراض هو أن السياسي وعند وصوله الى الحكم يصاب بنوع من العمى النفسي، يحول دون إدراكه الواقع والمشاكل الموجودة كما يدركها ويراها الآخرون الذين يعيشون الزمن والمكان ذاته. افتراض إذا ما كان قريب من الصحيح، فسيكون الحل الوحيد لواقعنا الحالي هو وجود معارضة سياسية للحكم، تكون قادرة على التبصير، كما هو حال المجتمعات الديمقراطية، التي يبصر سياسيوها بوسائل مساعدة بينها مصابيح المعارضة.

26/8/2018