العسكرية العراقية وقوانين خدمتها الوطنية


 وإن سُرب إلى العلن، قانون الخدمة والتقاعد العسكري، عن طريق جهات في الدولة العراقية، لأغراض دعائية تسبق موعد الانتخابات البرلمانية المقبلة، التي لم تبتعد كثيرا من الآن، وإن كانت النوايا تسابق لأستقطاب أصوات العسكر، أو الدوس على أجسادهم التي أرهقتها القتالات الخاصة، ومعارك الارهاب لكسب الاصوات، وإن أختلفت المساعي، ومديات الجدية في التعامل مع مهنيتهم وحقوقهم، مقاتلين من أجل البلاد، مع كل ذلك يستحق موضوعهم مناقشته علنا. ليعرفوا هم وشعبهم الداعم لوجودهم حماة وطن مجروح: طبيعة تفكير من أنتخبوهم في الحملة السابقة، ومن سينتخبون في القادمة، وما لهم ، من عراق تقاسم خيراته التي دافع عنها العسكر بأرواحهم بعض البرلمانيين، وكتلهم السياسية حصصا أتخمتهم وجوعت الآخرين، وما عليهم إتجاهه من واجبات.

ومناقشتنا التي تتأسس على ما نشر من مسودة القانون، وعلى بعض التسريبات عن مواقف برلمانيين، في الحوارات التي جرت تحت قبته العامرة، نبدأها بمقولة مشهورة ( لا خير في أمة تمتلك أقتصادا قويا دون جيش قادر على حمايته والبلاد)، والحماية أيا كانت طبيعتها تتم بشكل معقول، عندما يتأسس جيش مهني، وطني، كفوء، فيه العسكري راضٍ عن خدمته الصعبة، مقتنع بمصيره المجهول، قادر على تحمل مشاق أيامه والسنين، وهذه خصائص مع أخرى غيرها أدركتها الحكومة المسؤولة عن الجيش بشكل مباشر، وقدمت على اساسها مسودة قانون للخدمة والتقاعد العسكري، مقبول في الظروف الحالية، ولم يفهم طبيعتها بعض البرلمانين الذين وقفوا بالضد من تشريع بعض فقرات القانون واصروا على تعديلها، بسبب إرهاصات الماضي، حيث خدم بعضهم العسكرية في ظروف صعبة تركت في عقولهم خبرات سلبية باتت تؤثر على مواقفهم من الجيش الجديد، أو حاول بعضهم الدخول الى كلياته العسكرية في الزمن السابق ولم يقبلوا في حينه، فتكونت في داخلهم أفكار بالضد من العسكر، وطبيعة خدمتهم الوطنية، أو تعرض بعضهم الآخر إلى ملاحقات، وتعامل مخل من الأجهزة الأمنية العسكرية، لمواقفهم السياسية المعارضة في وقتها، فأنطبعت في ذاكرتهم صور سلبية عن العسكر باتت تحرك مواقفهم ومشاعرهم الحالية بالضد من الحقوق.

هذا وإذا ما تجاوزنا تلك المشاعر المكبوتة في سابق بعض البرلمانيين الساعيين إلى أفراغ القانون من محتواه، والتي تشكل سلوك حاضرهم، وألقينا الضوء على بعض الحقائق النفسية والمادية عن طبيعة الخدمة العسكرية، ومديات أستحقاق أصحابها لحقوقهم، وتقدير المجتمع لخدمتهم، بقصد لفت النظر قبل فوات الأوان، منها يمكننا القول:

إن الخدمة العسكرية مهنة شاقة، يتحمل فيها العسكري ضغوطا نفسية وبدنية تفوق كثيرا، تلك التي يتحملها الأنسان العادي في خدمته المدنية، وبفارق لا يصح تساوي طرفيها في المكاسب والحقوق، كما أراد المشرعون في تعديلهم الفقرات الخاصة بالراتب.

وهي خدمة فيها المجازفة بإحتمالات الموت، والإصابة، والتشوه تفوق كثيرا تلك الاحتمالات الموجودة في الخدمة المدنية، وبمستوى لا يجيز المساواة بين منتسبيهما في حسابات التقاعد، لشيخوخة تكون في الغالب مقلقة، وغير مستقرة، نتيجة التعرض الى ضغوط الحرب وأعمال التدريب الشاقة، والقتال المؤلمة.  

وهي كذلك وطنية حساسة مطلوب من أفرادها أن يحترموا أنفسهم ويثقوا بأحوالهم، لكي لا يتركوا مواقعهم في الحرب، ويقتنعوا بعلاقتهم الوطنية، ليتفانوا في الصمود بأماكنهم القتالية من أجل البلاد، وحساسيتها هذه لا تسمح بتساوي مخصصاتهم مع آخرين لا يشكل تركهم الوظيفة والموقع، أي أثر على مستقبل البلاد.

وهي أيضا، خدمة تنفيذية، لا يتحمل فيها العسكري تبعات حروب يخوضها بأوامر  السياسة، ولا يمكن أن يُرسمْ حاضره على أساس الماضي ومكبوتات البرلمانيين.

وهي من جهة أخرى، وفي العراق الجديد على وجه الخصوص خدمة أنتقائية يراد أن يبنى الجيش في مجالها، على أساس النوع وليس الكم، كما هو حاصل الآن، والنوع يعتمد في الأصل على أستهواء الشباب إلى التطوع، بل وجرهم إلى التدافع من أجل التطوع، عملية تتم فقط عندما يشعر الراغب منهم أنه يحصل على ميزات لا يحصلها في الخدمة المدنية، وإن مستقبله مضمون أكثر مما تضمنه الخدمة المدنية، عندها أي باعتماد النوع سياسة في البناء العسكري سيكتفي الجيش العراقي لأداء مهامه الدفاعية بربع العدد الموجود في الوقت الحاضر، وستتاح للمعنيين فيه أختيار الأصلح، والأذكى، مما يوفر للدولة ملايين الدنانير فروقات رواتب الكم المحشور، ومثلها في تقصير فترات التدريب والتأهيل، وتقليل الأخطاء، والأهم منها الحسم السريع للمواقف القتالية في ميدان ستمتد المنازلة فيه بعض سنين، وهو حسم في الوقت والجهد وتوفير المواد الخاصة بالقتال، لا يقدر بثمن باي حال من الأحوال.      

وأخيرا لابد من تذكير البرلمانيون المحميون وديمقراطيتهم بقوة العسكر، أن إعادة بناء جيش عراقي مهني قادر على الحيلولة دون تدخل دول الأقليم في شؤون العراق الداخلية كما هو حاصل الآن، عملية لا يمكن أن تتم بخطب السياسيين على الرغم من الحاجة إليها في بعض الأحيان، ولا تحصل بنوايا ومكبوتات بعض أعضائهم، أي البرلمانيين، على الرغم من صعوبة التخلص منها نفسيا. إنها تنجز فقط بالانفتاح على تقدير الخدمة العسكرية وطنيا، وإنصاف اصحابها أجتماعيا، والنظر الى منتسبيها، رجال تضحية بالنفس، يستحقون التقدير والاحترام.

10/7/2009