أسعار النفط التي هبطت بشكل غير متوقع وقللت دخل العراق بشكل كبير ليست هي السبب الرئيسي لتكوين اضطرابات ادارية وسياسية واجتماعية ومعيشية، لم تكن مسبوقة منذ التحول في إدارة الدولة والمجتمع من النظام الديكتاتوري الى النظام الذي يفترض أن يكون ديمقراطيا، وإن كانت وجها من أوجهها المتعددة. فالإدارة المالية في الأصل غير صحيحة، سعى خلالها المعنيون في الحكومات السابقة الى التبذير وعدم ضبط الانفاق، وإحداث طفرات في الرواتب والمخصصات، والتوسعفي المكرمات والصرف على الأحزاب والمريدين والأعوان، وعدم الدراية في التعامل مع الفائض من الموازنات السابقة والفساد وغيرها. وفي الإدارة العامةفتحت الأحزاب الرئيسية أبوابها للانتهازيين ومقتنصي الفرص ليصعدوا السلم بسرعة، وأسست قواعد تعامل احادية في التوظيف حيث لا يعين موظفا في الدولةإلا من يجلب كتاب انتماء الى تلك الأحزاب المشاركة أو القائدة للعملية السياسية،عندها أستولى على المفاصل الفنية والإدارية والعلمية في الدولة جيل تنقصه الخبرة الكافية لملأ الفراغ الذي حصل في الإدارة بعد السقوط مباشرة، وبدلا من الاستمرارفي الإضافة والتطوير بدأ خطوات التجريب والمحاولة والخطأ فاسهم في تكوين مصاعب واعاقات، استمر معها تراكم الأثر حتى وصل حدا أسس لتكوين المحنة.وفي الأمن والحرب والزراعة والصناعة والتجارة قد لا تختلف المسألة، أخطاءوتراكم لها، وتجريب وانحراف عن الصحيح وبما يكمل باقي الأسس لتكوين المحنة.

أما الآن وبعد كل هذه السنين لو نظرنا الى الواقع العراقي سنجد وببساطة أن الحكومة في محنة اذ كيف لها أن تدبر مستلزمات العيش لشعب يتكاثر دون ضوابط، وسط اتجاهات عالمية لإبقاء أسعار النفط متدنية لسنة أخرى وربما أكثر.ونجد أن الشعب العراقي هو الآخر في محنة، إذ لا يمكن للحكومة ولا أية جهة أخرى أن تحل مشاكله بقرارات وتوصيات دون أن يسهم هو من جانبه في تحمل الأعباء وقبول بعض الحلول وان كانت مؤلمة، وهو في الأصل غير مقتنع بماحصل ويحصل. والأحزاب السياسية التي كونت العملية السياسية وأدارتها هي كذلك في محنة بعد استشعارها الخطر يحوم في محيطها، وبدلا من التوجه الى الحل بات بعضها ساعيا الى استغلال الوضع للقفز على الواقع والاستحواذ، وبات البعض مصرا على عدم التضحية، وبات الآخر راغبا في جني الثمار وسط الركام ليزيدقوته ويقاوم اتجاهات التيار. والأكراد الذين شعروا بنعمة الاستقرار في السنوات العشر الأولى وجدوا أنفسهم في محنة لا يحسدون عليها فالنفط المباع خارج سيطرة الدولة لا يكفي للرواتب. وتقاسم النفوذ داخل الإقليم وخارجه معرض للتفتت بعدصعود قوى جديدة، والديمقراطية التي تكونت تبعا لظروف الإقليم مهددة بالتصدع.وهكذا أصبح العراق في مجمله في محنة لا يقوى طرف على حلها دون تعاون باقي الأطراف. فهل تصحى جميع الأطراف من غفوتها لتقدم بعض الحلول وتسهم فيتنفيذها أم تبقى على حالها فَتُغرِق المركب وَتَغرق معه .. لا سامح الله
24/10/2015