لقد جرت أنتخابات مجالس المحافظات في وقتها المحدد، وفي أجواء تقترب من الطبيعية لعموم المناطق التي أجريت فيها، وأعلنت نتائجها الأولية بطريقة هي الأخرى أعتيادية ومنها يمكن الأستنتاج:

إن الأقبال على الانتخابات لم يكن كما يفترض أن يكون لشعب عانى طويلا ديكتاتورية تسلطية قاسية لمرحلة ما قبل التغيير وأضطرابا أمنيا خطيرا وفشلا ملموسا في بعض جوانب الإدارة لما بعده، وإن النسبة التي قاربت إحدى وخمسين بالمائة هي أقل من المتوقع أن يتم بإفتراض تحسن مستوى الإدراك الضمني لأهمية الديمقراطية في تحديد مستقبل البلاد، وإن دفعت هذه النسبة المتدنية منطقيا إلى الأعتراف بنجاحها لأنها لامست من الناحية التطبيقية الحدود المعترف بها دوليا في هذا المجال، وهو عزوف يقترب من التعمد لم يحدث بالصدفة ولم يحصل نتيجة المتغيرات الطبيعة المانعة، وإنما لأسباب متعددة بينها عدم الرضا الذي أحسه الكثير من العراقيين عن واقع الإدارة التي أنيطت في مناطقهم إلى شخصيات غير كفوءة من المجالس السابقة، وبينها التعب والإرهاق من الظروف الأمنية والخدمية والمعاشية الضاغطة التي عاشوها في الخمس سنوات الأخيرة، وحصل كذلك كنتيجة جانبة لكثر الأحزاب والكتل والشخصيات المتنافسة التي أعطت أنطباعا عند العامة مفاده أن شدة التنافس وسعة التشرذم يعود إلى دوافع ذاتية تحركها عوامل الكسب والمصالح الشخصية والارتباطات الخارجية، يضاف إليها عدم تفهم الذين عزفوا عن الحضور للانتخاب حجم المسئولية الوطنية الملقاة على عاتقهم  في أختيار ممثليهم ومن ثم المشاركة في تحديد طبيعة الإدارة التي يريدون، وأمور نفسية أخرى تتعلق بطبيعة الذات العراقية غير الراضية عن ما هو موجود.

ويستنتج أيضا أن حالات التزوير التي حصلت والتجاوزات التي تمت كانت هي الأخرى أقل من المتوقع في مجتمع مثل العراق ما زال في طريقه للتخلص من آفات الإرهاب والرعب والفساد والاستغلال والتخويف والرشا التي تفننت فيها شخصيات وأحزاب وكتل بطريقة أرعبت العراقيين، وهي بوجه العموم حالات حرف وتزوير وإن وقعت في مناطق دون سواها لم تكن كافية لتغيير الإتجاهات العامة للانتخاب التي أكدت واقعا قوامه أن النتائج التي تمخضت عنها هذه الأنتخابات لم تعط الأهلية لقائمة أو شخص في أن يتفرد في الحكم، وإنها متنوعة في نسبها كتنوع التركيبة الاجتماعية، وستبقى كذلك بصيغ تلزم الفائزين على التحالف والتوافق والتراضي سمات لابد من توفرها في مرحلة الانتقال الى الديمقراطية الحقيقية، وأكدت أيضا أن فلسفة القلاع التي كانت مملوكة لهذا الحزب أو الائتلاف هي غير واقعية بعد أن خسرت قائمة شهيد المحراب الأولوية في النجف التي كانت تحسب قلعتها، وخسرت قائمة إئتلاف دولة القانون الأولوية في كربلاء التي كانت تحسب لها، على الرغم من تصدرها باقي المحافظات الجنوبية، وأكدت كذلك وجود ميل لدى العراقيين في الخروج من عباءة الارتباط  العقائدي أو الديني الأبدي لهذا الحزب أو ذالك، ميلٌ سينمو مستقبلا ليكَون إتجاهات جماهيرية واعية بمصالحها والوطن، لها القول الفصل في تحديد نتائج التصويت كما هو الحال في المجتمعات المتقدمة، وهذا مهم ومطلوب لتقليل الغلواء والتطرف لدى الأحزاب والكتل التي سيكتب لها النجاح في الحصول على أصوات تؤهلها حكم البلاد حاضرا ومستقبلا.          

ويستنتج كذلك حصول تطور في إدارة الحكومة لعملية الأنتخاب حيث النجاح الملوس في مجالها بأقل ما يمكن من التدخل وبعيدا عن الانحياز، وحصول نضج من جانب آخر في الفهم والسلوك الديمقراطي بمستوى مقبول، إذ أنبرى البعض من المرشحين للاعتراف بالنتيجة التي لم يحققوا خلالها ما يريدون وأكدوا أن النجاح هو في إرساء قواعد الديمقراطية، ومن لم يعترف بالنتيجة أسقطَ خيار التهديد بحمل السلاح وتوجه بدلا منه الى القضاء المؤهل للفصل بكل الاعتراضات، وهذه أستنتاجات وأخرى غيرها تدفعنا الى القول أن العراق بات في الطريق الصحيح، وأن بثت على جوانبه الكثير من الألغام.

                                                                   

                                                                                            د. سعد العبيدي

                                                                                              7/2/2009