(2)

تأسست جيوش الدول الحالية، وما قبلها جيوش العصور السابقة، وفقا للمفاهيم العسكرية المنظمة على ثلاث اعمدة رئيسية هي الانسان، مقاتل وداعم في القتال. والسلاح كاداة فاعلةللقتال. والمعدات والتجهيزات كعامل مساعد لاتمام فعل القتال. لكننا وفي مقال سري سنتجاوز العمودين الاخيرين من تلك الاعمدة أي الاسلحة والمعدات، ونحاول التركيز على الانسان العسكري، قائدا اسهم في البناء والتطوير وآخرا شارك في الهدم والتدمير، ومقاتل نفذ اعمال الهدم والبناء. أحداث صاغها القادة العسكريون والسياسيون لعشرات السنين،وتدخل في بعض تفاصيلها الاجنبي، مهدت لعملية هدم شبه منظم، ابقت هذا الجيش العريق وللعقد الاخير من عمر النظام السابق جسدا يحتضر، حيث التجاوز واتجاهات الخلل وسوءالتنظيم والتخطيط... أعمال يمكن تناول موضوعها باسلوب السرد التحليلي، من زوايا التاريخ والسياسة وعلم النفس، دون التجاوز على الزوايا الظرفية التي تأتي، مواتية لبلوغ عملية الهدم.

فوجود قائد عسكري مقتدر على سبيل المثال قد يوقف عملية الهدم، ويعيد حسابات البناء،وينقذ الموقف، مثل مونتغمري في الحرب العالمية الثانية الذي اسهم في تحويل الهزيمة الى نصر.

ووجود موقف قتالي صعب مثل معارك المحمرة عام 1982 وما بعدها شرق البصرة،والفاو الاولى في الحرب العراقية الايرانية، حتمت قيام القادة الميدانيين بزج وحدات في اعمال قتال قبل اكتمال جاهزيتها، تفاديا لخسارة حرب او مخافة قائد اعلى للحرب.ودفع فرق عسكرية والوية وافواج باعمال هجومية او دفاعية يتفوق فيها العدو بعشرات المرات، مثلما حصل في التعامل مع اللواء التسعين الذي خرج من معركة خاسرة عند نهر جاسم على خط الحدود الدولية مع المحمرة عام 1986 عندما لم تبق من قوته العمومية مايزيد عن سرية مشاة، وقبل الشروع بالتمتع بالراحة اللازمة، واعادة التنظيم وسد النقص الحاصل بالاسلحة والعتاد والاشخاص، طلبت منه القيادة العامة للقوات المسلحة الهجوم على الموضع الدفاعي الساقط للواء التاسع والعشرين مباشرة، دون ان تلتفت الى قناعات آمره وقائد فرقته الخامسة اللذان يؤكدان عدم أهلية اللواء لاستعادة الموضوع الدفاعي الذي يحتاج الى قوة بمستوى فرقة مشاة، ومع هذا اصرت على معاودة الهجوم، مصحوب بتهديد الاتهام بالتخاذل وتلقي عقوبة الاعدام ميدانيا.وبالنتيجة لم يستعاد الموضع الدفاعي الساقط للواء الابهجوم منظم لقوات من الحرس الجمهوري تزيد عن فرقتين متجحفلتين.

انها أعمال ساهمت بتوافقها مع أخرى غير صحيحة، بزيادة حجم الهدم النافذ في البنية العسكرية العراقية. جاء بعدها أو صاحبها القبول بمواجهة قوات التحالف الدولي في حربي عام 1991 و2003 في ظروف تغير دولي بموازين الصراع، وتعزيز خطى العولمة وسياسة القطب الواحد، التي اسهمت من جانبها في هدم ما تبقى من دعامات البناء العسكري.

ظروفٌ على المستوى الاستراتيجي، لم تؤخذ بالحسبان، ومثلها أخرى على المستوى التعبوي، لم يأخذها القادة الميدانيون في الاعتبار، وبدلا من أخذها، وحساب تأثيراتها على
النتائج المبتغاة، لجأ بعضهم في أشتداد مصاعبها وحصول الحرج، الى التعامل مع المعية المطلوب تهيأتهم باساليب يغلب عليها التجريح، والطلب المجرد لتنفيذ الاوامر، والقاء المحاضرات، بتكرار ممل لكلام يغلب عليه التهديد، ظنا منهم انه كفيل بالتأثير على السلوك باتجاه البناء المهني وحسن التنفيذ، فأكتملت سلسلة الهدم في البناء نفسيا وماديا، دون ان يدركوا ان الكلام وحده، والتوجيهات المكررة وحدها، ومعهما التهديد المبطن، لا يمكن انتكون فاعلة وحدها لتكوين بناءا رصينا للاداء الصحيح والدافعية المعقولة، ولا يمكن أن تكون مجدية وحدها لتعليم السلوك القتالي المطلوب، اذ لو افترضنا ان آمر السرية قد جمع جنوده قبل البدء بالتقدم الى خط الشروع، والقى عليهم محاضرة طويلة عن الشجاعة والتضحية وروح المواطنة وهددهم بشكل مبطن، وتناول بعض مساوئ السلوك، وصادف أثناء المسير الى الخط المذكور موقفا تعبويا "قصف معادي" ارتبك فيه الآمر ولجأ الى الصراخ واصدر اوامر متناقضة، سيفسر عندها آمري فصائله ومعظم الجنود سلوكه خائفااو غير متمكنا من قيادتهم، الامر الذي يضعف معنوياتهم ويقلل من دافعيتهم للقتال، وبالتالي اصبح كلامه الحاصل قبل قليل، عامل تأثير سلبي يتندر حوله المنتسبون، ومتغير سلبيسهم في الهدم البنائي للنفوس.

لقد كان شائعا في اوساط الجيش، التوجه الى التكلم عن موضوع الخطأ او الظاهرة غير السوية، باسلوب المحاضرة التقليدي، وأفتراض استيعاب المتلقين، طبيعة الدرس، امتلك في مجالها الجيش، خبرة طوية، وامتلك القادة والآمرين والموجهين، باع طويلة، جاءت نتائجها في الحروب والأزمات على الاغلب سلبية، لانها لم تتأسس على الحقيقة. ومع ادراك المعنيين بعدم جدواها عمليا أصروا على السير في طريقها، وأنشأوا دائرة ومقرات مختصة للتوجيه والتثقيف السياسي "الحزبي" جل عملها الكلام، حملوها مسؤولية القاء المحاضرات التوجيهية، الناصحة، المحذرة، الواعدة، وشيدوا لترويج الكلام قاعات في المقرات، وأقاموادور استراحة سميت باستراحة المقاتلين على طرق التنقل للتشكيلات والفيالق والفرق، باتتتغص بالمحاضرين والمستمعين، لم تنفع ساعاتها الطويلة، باضافة جرعة دفع في عمل هجومي أو صمود بقتال دفاعي، لم يجري الاستعداد والتهيؤ لهما بشكل مهني جيد، ولمتحسب ملائمة الظروف لهما، بشكل مقبول. فاسهمت من جانبها في اتمام عملية الهدم التيبدأت في الجوانب الاخرى، وعرضت الجيش الى النقد خاصة في السنوات الاخيرة من عمر النظام السابق وهيئته الى الاختفاء من الساحة أو البقاء في الذاكرة مجرد تاريخ.