سلوك الفرد والجماعة إجمالاً في مجتمعنا العربي بوجه عام والعراقي على وجه الخصوص، سلوك عاطفي بردود فعل انفعالية سريعة موصوفة بـ (الهبّة)، إذ وعندما يتكوّنُ موقفاً فيه ود على سبيل المثال، سرعان ما يتودد المعني فيه دون نقاش العقل وسؤاله عن المآل. وعلى نفس المنوال عندما يكون في الموقف كرهاً فسيكره الموجود في محيطه، دون مناقشة الدوافع والأسباب.

سلوك أنتقل الى الدولة فطال السياسة التي تنظم شؤون الدولة ومصالح الشعب، فجعلها في مجتمعنا القديم والحديث عاطفية انفعالية تثار سريعاً وكأن هبة نار أوقدت في محيطه التقاطع أو تحارب دون مناقشة الدوافع والأسباب عقلياً، وكذلك قد تتودد أو تتقرب دون الخوض في العوامل والأسباب منطقياً، على العكس من مفهوم السياسة وحاجاتها أن لا يثار أصحابها سريعاً وأن لا يكون وسطها عاطفة كره دائمة ولا حب مستمر، بل مصالح تدفع السياسيين الى التعقل في التودد والمعادات.

انها نظرة عاطفية في السياسة لو جاز لنا التعميم في مجالها على وقتنا الراهن، لوجدنا بوضوح ان غالبية الكتل والأحزاب التي تشكلت بعد سقوط النظام السابق، كونت مواقفها السياسية عاطفياً وليس عقلانياً وباتت تكره المقابل لها في الوسط السياسي أو الدولة الجارة لدولتها حد المقت أو تتودد لتلك الأخرى حد التملق، لا تقبل النقد الموجه لمن تتودد له ولاتقبل المدح لأخرى تكرهها مهما صدر عنها من أعمال ايجابية، فخلقت بسلوكها هذا أعداءدون مسوّغٍ للعداوة في الأصل، وبسببه أصبحت بالنسبة لبعضنا إيران عدوة والسعودية عدوة وأمريكا كذلك عدوة وتركيا هي الأخرى عدوة، ولبعضنا الآخر أصبح الشيعة أعداء والسنة بالمقابل أعداء والكرد هم أيضاً أعداء وأصبحنا في مجال العداوة وكأننا واحةمطوّقةً بالكره الانفعالي من جميع الجهات.

لكن العاطفة وسرعة الاستجابة لواقعها أي الهبة في الحياة المادية لا يمكن أن تستمر في قوة الدفع إذ سرعان ما تتدخل عوامل الطبيعة لتقلل من قوة دفعها الى أن تخفت تماماً لتنطفئ، وكذلك حالها في مجال السلوك الانساني، فالهبة استجابة بقوة دفع انفعالية تتجه باتجاه محدد لتتباطأ بحكم التصريف لتنتهي بعد حين.

المشكلة في السياسة ولنا نحن العراقيين بالذات أننا وبعد أن كوّنا العداوة وصغنا مواقف معأو بالضد من دول قريبة منا أو بعيدة عنا وبعد أن خفت لهيب الهبة الانفعالي نسبياً بقيت المواقف كما هي حاكمة للسلوك السياسي، وكأن السياسة ليست مرنة وكأن البلاد بلامشاكل ولا اضطرابات ولا أزمة كهرباء ولا نقص في المياه، ولا خرق تركي للحدود، ولامياه غلقت مجاريها الجارة إيران. مواقف تتطلب جميعها أن نحكم عقولنا بلا انفعال، نغيرنظرتنا الى العالم الآخر بلا عداوة، نكُون مرنين في عالم يحكمه العقل وليس العاطفة.

7/7/2018