الطائفية والثمن المدفوع في عراق المستقبل


الطائفة تسمية أطلقت على فرق اسلامية تكونت في أغلبها إبان العصر العباسي لتعبر ظاهريا عن تحول تلك الفرق من ساحة العمل السياسي أو الثقافي الى العمل الديني وشملت أهل السنة والشيعة بفروعها الاسماعيلي والاثني عشري والزيدي ومن ثم الدرزي وامتدت كذلك لتعمم على فئات مسيحية وغير مسيحية، وشاع التمسك بها أو الولاء لها في المنطقة العربية والعالم الاسلامي، بشكل يفوق كثيرا الغرب المسيحي الذي ضعف تأثيرها في جوانبه تدريجيا بعد إنفصال الكنيسة عن سلطة الدولة، وإبتعاد الدين عن التدخل في السياسة. أما الطائفية فهو الجانب الانفعالي لمصدر التسمية"الطائفة" الذي يشير الى الانحياز في الولاء للطائفة التي ينتمي اليها المعني والتعصب بالضد من الطوائف الاخرى، الأمر الذي يبين أن نشأة الطوائف والغاية من ديمومة عملها لم يكن كما أشار العرب على إنه تحول في العمل من السياسة إلى الدين ، بل وعلى العكس من ذلك تماما تكييف الدين لأغراض السياسة إذ أن النية كانت عند معظم القائمين على تكوين الطوائف في الأغلب تكوين مفاهيم ذات أسس دينية عقائدية تسحب الموالين لها إلى السعي لتعميمها على المجتمع المستهدف بوسائل الاقناع أو بحد السيف لإقامة سلطة الدولة الطائفية ، وهذا استنتجاج تؤيده أحداث التاريخ التي تشير أن مجتمعات عربية وإسلامية دعمت طائفة معينة وناصرتها في الحكم وتبدلت إلى أخرى على النقيض منها بقوة السيف كما في مصر الفاطمية، وتاثير السلطة كما في إيرن الصفوية وغيرهما.

 هذا ومع زوال المعتزلة والاشعرية والباطنية والاسماعيلية والخوارج بدأ المسلمون منقسمين في الأعم الى طائفتين اساسيتين هما السنة والشيعة إنقساما لم يخل كثيرا بمجرى الأحداث في العالم الاسلامي لأن كفتيهما في الصراع الدائر لم تكونا متعادلتين بمستوى يدفعهما الى ادارة معالمه طائفيا "دينيا" بالمستوى الذي يمكن أن يحسم فقهيا لمن يتفوق بمنطق الحجة، أو بقوة السلاح وبدلا عنه تحول إلى صراع سياسي بين حاكم في السلطة ومعارض من أجل الوصول إلى أدراجها ،مركزه عادة في العراق وأسلوبه الشائع نوع من التحدي والاستفزاز يتأسس في كثير من الأحيان على ممارسة بعض الطقوس أو السعي لمنع ممارستها، مما أثر بشكل كبير على مفهوم الوطن "العراق" الذي يتاسس على مشاعر الولاء إلى وجوده جغرافية محددة وتاريخ معين ، إذ أن الصراع غير المحسوم طائفيا والإدارة غير النزيهة دفعتا إلى أن يعم الولاء في بعض مراحل التاريخ "بينها العقود الأربعة الأخيرة على وجه الخصوص" إلى الطائفة أسبقسة أولى دون الوطن أسبقية مطلقة ، وهذا خلل وتجزأة للولاء لا يحتملها الوطن ومنافسة من قبل الطائفة على الولاء أو السيادة  لا يمكن أن يجاريها الوطن، لأنها أي الطائفة تتحرك بطريقة مختلفة قوامها ملئ الشعور بالانحياز إلى مفاهيمها وتقاليدها وطقوسها لمستوى تعزل فيه الوطن من الذاكرة وتؤسس وجود لها بديل عنه بشتى الوسائل والأساليب التي خبرتها طيلة مئات من السنيين. وهذه هي المحنة الكبرى التي يمكن أن تلم بالعراق في هذه الأيام الصعبة ومواطنوه في الطريق إلى الانتخابات التي يمكن أن تعيد ولائهم إلى وجوده وطنا للجميع ،إذا ما تنبه جمهور المثقفين والواعيين والمعتدلين والمصلحين وأصروا على التصويت إليه أو أنها ستكرس حال الطائفية التي بدت على السطح طافية منذ السقوط ، وفي حالها سيعود العراق إلى نقطة الصفر ويدخل في دوامة صراع من نوع جديد قد تكون بعض صفحاته مسلحة إذا ما عزلت إحدى الطائفتين نفسها أو أحست بالعزلة وأستأثرت أخرى بمصادر الثروة ومؤسسات الضبط الاجتماعي وسلطات إصدار القرار.... وفي حالها سيدفع الطرفين ثمنا لم يكن في الحسبان.

د. سعد العبيدي                                       2/1/2005