الشك ومعوقات إعادة البناء


بسبب ظروف الحياة الصعبة، ومعالم الصراع الطويلة التي عاشها العراقيون مع واقع غير مستقر وبسبب علاقتهم غير السوية مع الدولة ومسئوليها عبر تاريخ طويل، تكونت في داخل العديد منهم خاصية الشك المفرط بالنوايا والسلوك، يمكن أن يستدل عليه من خلال استجاباتهم في التعامل مع ما يحيط بهم من مثيرات ذات صلة بإبداء الرأي والتقييم، إذ نرى على سبيل المثال وعندما يذكر أو يشار بحضورنا إلى أي مسئول سياسي أو حكومي نسمع من أكثر الحضور تقييما يتجه نحو السلب أكثر منه إلى الإيجاب، وتبدأ في مجاله عملية التجريح، والتشريح التي تفضي إلى الشك بقدرته، ومستواه، ونزاهته، وإمكانياته في النجاح وإنجاز ما مطلوب منه من مهام، وهذه بحد ذاتها مشكلة ليست ذات تأثير مخل بشكل كبير في السياسة التي ينبغي أن يتحمل فيها القائد السياسي أو الحكومي تبعات التجريح في ظروف الانفلات الديمقراطي، وأن يترك الحكم على النتائج للزمن ولو بعد حين، لكن التأثير الأكبر لها:

عندما زحف الشك إضطرابا ليشمل محيط التعامل بين ذات المستوى، والأقران في دوائر الدولة، والأحزاب والحركات السياسية، إذ نتلمس وبشكل واضح في حال اسناد عمل إلى موظف ما، أو في حال حصوله على ترقية أو مركز أعلى تبدأ على الفور جلسات الشك، ويبدأ الأقران والقريبين بالتفتيش في سجلات الماضي ليصلوا إلى استنتاج فوري أن التكليف خطأ، والقابلية دون المستوى، والتاريخ الشخصي غير مشرف، والخبرة غير ملائمة، وتزداد معالم الشك والتجريح في كثير من الأحيان عندما يتحمس المعني في تنفيذ التكليف، أو يقفز خطوة لم يستطع الأقران قفزها إلى الأمام، لتتوجه نحوه سيول الاتهام باستغلال الفرص، والتقرب إلى المسئول، وإذا ما كان الأمر ذا صلة بالمال وتحقيق أرباح سوف يتمحور الشك في ميوله على التبذير، وتلقي العمولات، والتجاوز على المال العام، وغيرها من معالم الشك والتأويل، وإن كان البعض منها موجودا في بعض الأحيان.

وعندما زحف كذلك ليشمل الأعلى بالنظرة إلى الأدنى شكا في التعامل والتكليف، إذ نرى وفي حالات ليست قليلة يشك الوزير بقابلية وكلاء وزارته والمدراء العاميين، ويشك الأخيرين بولاء الأقل منهم مستوى، ويشك الأمين العام ببعض أعضاء مكتبه السياسي حتى أصبح الأمر وبعد غياب المعايير الأصولية للتقييم فوضى ومعاناة يشكوا منها الجميع وألم نفسي يعيشه الجميع لا يمكن التخلص منه في عراق اليوم إلا بالعودة إلى ضوابط الماضي، وقياسات التقييم السابقة ولو بالقفز على فترة حكم صدام التي عززت بأساليبها القسرية معالم الشك في الشخصية حد الشعور بالاضطهاد في كثير من الأحيان. إن خاصية الشك أصبحت واقعا فعليا إن لم تتنبه لها الحكومة، وجميع المسئولين ستكون من بين أكثر المعوقات النفسية في طريق البناء الذي باتت كل أركانه بحاجة إلى إعادة بناء وترميم، لأن الذي يشك سوف لا يطمئن بمن يشك به، وسوف يسحب من صلاحياته، ويقيد حركته ويكثر مراقبته، وربما يكلف غيره في منتصف طريق التنفيذ، الأمر الذي لن يسهم في وضع حجر واحد في أسس بناء العراق، ولأن المشكوك به سوف يكون حذرا، يقدم خطوة ويرجع أخرى إلى الوراء، وسوف لن يتحمل المسئولية، ولا يقبل المجازفة، وسوف يفتش دوما عن أسلم السبل وأكثرها عونا له في تجنب  لوم المسئول،والأكثر سلامة وأمنا كما يردد البعض هي في أن لا تحرك ساكنا ولا تسكن متحركا، وهذه أيضا لا تسهم بوضع حجر واحد في البناء المطلوب.

إن الشك اضطراب يعاني منه العديد من العراقيين يتعزز في ظروف الجهل، وقلة الخبرة، وتصدع الوطنية، ويقل تأثيره بالتدريج عندما يجبر العراقيون من يحكمهم بالعمل على أساس الشخص المناسب في المكان المناسب، وعندما توظف الحكومة الكثير من الجهد ورأس المال في إعادة بناء النفوس التي تخربت بمستوى لن يعين على إعادة بناء ما تبقى من العراق.