متابعة بسيطة لسلوك الحكام العرب الذين أطاحت بهم شعوبهم في ربيع لم يكتمل بعد، يبين وللوهلة الاولى أن تلك الشعوب وفي بدايات أعتلاء حكامها لعروشهم عن طريق الإنقلابات العسكرية المشبوهة أو الاغتيالات السياسة غير المبررة أو التآمر المدعوم خارجيا، قد أكبرت"الشعوب" في نفوسهم "الحكام" الذات المتعالية المتغطرسة، عن طريق المديح والتلفيق والتزويق والرقص الهستيري والهتاف العالي، حتى وجد بتكرارها القذافي نفسه على سبيل المثال مُنظرا، ثائرا لا يخطأ وفي داخله إنسان مهزوز يقترب من الجنون، ووجد صدام حسين نفسه لذات السبب حاكما أوحدا معصوما عن الخطأ وفي حقيقته دكتاتور عدائي، مفرق، لا يرحم،كذلك الحال بالنسبة إلى حسني مبارك وبن علي وغيرهم آخرين ظاهرهم المكشوف مختلف تماماعن داخلهم المستور، في تناقض نفسي حاد أفضى إلى تدمير حاضر شعوبهم وأنهى حكمهم المستبد دون أسف يذكر.
ومع هذا الوضوح بصناعة الاستعلاء في نفوس الحكام العرب، ومسؤولية الشعوب عن حصولها، يبرز على السطح سؤوال قوامه:
تتعض هذه الشعوب من أخطائها لتتجنب التكرار؟.
إن الاجابة السريعة المتأتية عن طريق المتابعة الخاصة بسلوك تلك الشعوب وإصرارها على إسقاط الحاكم المستبد، وتقديمها التضحيات من أجل ذلك، تبدو وكأنها تتجه إلى الايجاب أي النعم.لكن الإجابة المنطقية التي تتأسس على التجربة والمعرفة النفسية تؤشر العكس من ذلك، لأنغالبية هذه الشعوب كانت إنفعالية في أكبارها الذات الاستعلائية للحاكم، واستمرت كذلك إنفعالية في توجهها لاسقاطه، وإنها في تاريخها قد سجلت تكرارا لنفس السلوك مع أكثر من حاكم حكمها، فالمصريون وضعوا عبد الناصر في خانة لا يدنوها أحد من الزعماء وأعادوا تمثيلها مع حسني مبارك، وكذلك فعل التونسيون مع الحبيب برقيبة، وأعادوا تكرارها مع زين الدين بن علي،ومثلهم فعل الليبيون بالسنوسي الملك والقذافي القائد الذي لم يكتفوا بحسر سلطانه عليهم فدفعوا بهإلى إدعاء الملوكية على ملوك أفريقيا، ومثلهم فعل العراقيون مع عبد الكريم قاسم عندما تخيلوا صورته في القمر، وأطلقوا لخيالاتهم العنان مرة أخرى مع صدام حسين فبنوا له آلاف التماثيل والجداريات ووزعوا صوره بالملايين وطالبوا بإطلاق تمثال له من الذهب الى الفضاء ومنحه عشرات الألقاب.
إن سلوك الإعلاء هذا ينم عن خوف داخلي من سلطة الحاكم لم تشف منه الشعوب العربية حتى الآن... خوف تتفادى تأُيراته المؤلمة عن طريق المدح المفرط والتهويل المغالى به... خوف تبقى إنفعالاته مكبوتة في النفوس حتى تخرج بصيغ غضب عدائي شديد بالضد من الحاكم مصدر الخوف عندما تسنح الفرصة إلى ذلك، وهو إنفعال من النوع الذي تستمر شحناته بالخروج دفقاتلا تتوقف إلا بغياب الحاكم أي أنتهاء سلطة الخوف. وهذا تفسير نفسي من بين تفاسير أخرى لماجرى ويجري في هذه المنطقة تصب لصالح السلب في الأجابة على السؤوال المذكور، لأن الاتعاض لا يمكن أن يتحقق إلا بتخلص الشعوب من آفة الخوف، والتوجه بدلا من التعظيم والتسقيط إلى المحاسبة الديمقراطية للحاكم بالوسائل الدستورية الدارجة، والمحاسبة وحدها تضمن أمناً نفسيا لا يدفع الشعوب إلى الهتاف خوفا، ولا يزقها إلى ساحة التنفيس الانفعالي بوسائل الازاحة القسرية كما هو حاصل الآن.كما إن الاتعاض مسألة نضج حضاري مازالت الشعوب العربية في بدايات مشواره الطويل،الأمر الذي يرجح عدم حصوله في الوقت الراهن.
د. سعد العبيدي
1/10/2011