تمر البلدان في بعض الأحيان بمحن وأزمات، يرى المواطنون أو قسماً منهم خلالها أن النظام القائم متخلفاً عن الركب العالمي أو مقيداً بضوابط وإجراءات لا تتناسب ووقع التقد مالحضاري أو أنه على خطأ وبحاجة ملحة الى الإصلاح وتغيير نهج المسير، ويرون أي المواطنون أن السبيل الوحيد الى ذلك هو الخروج بمظاهرات لتأمين هذا الإصلاح، وترىأحزاب السياسة المشاركة في الحكم في المقابل، أنها على صح واسلوبها في الإدارة والحكم الملائم وحده لإكمال المسير، وهو القابل وحده الى التطبيق، وبالتالي لا حاجة الى التغيير،وتكون الحكومات في هذه الحالة أو في مثل هكذا تناقض في موقف صعب يحتاج الى قوةدفع عالية للتوفيق بين رغبات المواطنين الساعين الى الإصلاح والتغيير وبين الكتلوالأحزاب السياسية (البرلمانية) الساعية الى المحافظة أو البقاء على الوضع القائم وعدمالتغيير. هذا واذا ما تم استعراض وضع العراق القائم في وقتنا الراهن بضوء المعادلة الاجتماعية المذكورة، والعودة بضوئها الى وقع التظاهر والى بعض مطالب المتظاهرين في الإصلاح والتغيير، وتعقيدات الدستور العراقي المليء بعقبات الحيلولة دون إتمام خطوات التعديل، وتركيبة السياسة القائمة على المحاصصة التي تقف أطرافها في خندق الحفاظ على المكاسب التي يهددها التغيير.

لكن المظاهرات غالبية المظاهرات في العراق أو غير العراق، خاصة السلمية منها توفرفرصاً مناسبة لتكوين ضغوطاً مناسبة على رجال السياسة الممثلين في البرلمان للتفكير بقبول خطوات التغيير الذي يريدها المواطنين وتحاول الحكومة ترجمتها الى قرارات وقوانين تسعى الى اقرارها قابلة للتطبيق سعيا منها لتنفيذ رؤياها الصحيحة في تلبية حاجات المواطنين والتخلص من مأزق التظاهر الذي لا يعرف مآله في بعض الأحيان.ان المظاهرات التي حدثت في العراق بوقتنا الراهن، وموقف المرجعية الدينية في النجف الأشرف الداعم لها سلمية كون وضعاً نفسياً سياسياً ضاغطاً فسح المجال أمام الحكومة والجمهور للاستثمار وتعديل خط السير، إذ أنه وفر للحكومة مجالاً مناسباً للمناورة والخروج من الأزمة وذلك بتلبية المناسب والصحيح من مطالب الجمهور من جهة وأسهم من جهة أخرى في التأثير على الجمهور المتظاهر لأن يراجع بعض حساباته ومطالبه وأساليبه في التظاهر وتشجيعه للابتعاد عن التشنج والتخريب وحثه على طرح المطالب القابلة الى التنفيذ.إنه وضع خاص كانت بعض الحكومات في بعض الدول تدفع بشكل غير مباشر الىحصوله من أجل تكوين الضغط الكافي لتمرير مشاريع وطنية يصعب تمريرها في الظروف الاعتيادية، والعراق في واقع الأمر ليس استثناءً من هذه الحقيقة، وأمام حكومتهفرصه مناسبة يمكن استغلالها بغية الإسراع باتجاه إعداد مشاريع قوانين صعب تمريرها من قَبل، مناسبة لتصيح المسيرة والتحرك جدياً لتعديل سبل إدارة الدولة وذلك بتجاوز الروتين القائم وتسهيل عمل الدوائر والحد من وقع الفساد وتلبية حاجة المواطن للعيش الآمن الرغيد.

٩/١١/٢٠١٩