السيادة العراقية في الميدان


إن النظر إلى تطورات العملية السياسية في العراق من زوايا الرصد المنصف غير المتحيز يجد الناظر فيها، والمتتبع أو يتلمس العديد من التطورات الايجابية التي رُسمتْ مسبقا وجرى، ويجري تنفيذها في أوقات تلح فيها الحكومة من جانبها على سرعة التنفيذ، وتقتنع قوات متعددة الجنسيات من جانبها أيضا بحلول أوان التنفيذ، ويجد أي الناظر بطبيعة الحال أخرى سلبية لا تود الحكومة كطرف في معادلتها الانزلاق في منحدراتها، ويحاول الطرف الثاني تجنب الخوض في تفاصيلها، وما دمنا بصدد نقل السيادة العسكرية العملياتية إلى القيادة العسكرية العراقية لا بد والحالة هذه التدقيق في هذا الجانب الحيوي من زاويتين.

الأولى تتعلق بالجوانب السيادية إذ من غير الممكن أن يوصف بلد بالمستقل، ويمتلك السيادة على أرضه، وسماءه، ومياهه الإقليمية ولا يستطيع قادته العسكريون تحريك فوج مشاة من منطقة آمنة نسبيا إلى منطقة أخرى أكثر اضطرابا ليعززوا بتحريكه القدرة العسكرية على الردع وضبط الأمن، وما تحقق في الاتفاق المبرم بين الحكومة، وتلك القوات يعد خطوة جيدة تؤشر أن معالم السيادة في العراق تستكمل بالتدريج على وفق رؤى طرفين يتفهمان الموقف، ويدركان طبيعة المصالح الموجودة، ويتخذان من العقلنة وسيلة تفاهم يحتاجها العراق في كل علاقاته البينية، والخارجية.

والثانية ذات صلة بالأمن إذ ثبت وخلال ثلاث سنوات ونصف أن تجزئة الجهد الأمني لضبط الشارع العراقي بين قوات أجنبية لا تفهم طبيعة الشخصية العراقية، ولا تتحرك سوى بقرائن بينة، وأدلة ثابتة أعاق عملية الردع المطلوبة لفرض الأمن على الرغم من أن الإرهابيين، والمسلحين بالضد يخشون المواجهة المباشرة مع تلك القوات، وبين قوات عراقية يجد قادتها أنهم مكبلين إزاء التحرك في ساحة قتال هم الأعلم بطبيعتها، والأعرف بمن يتحرك فيها بطريقة أدت في نهاية المطاف أن تصاب بعض تلك القوات بالاتكالية على الغير في معالجة المواقف الصعبة، وبالملل من تكرار الطلبات الخاصة بالمعالجة، وهذا نوع من السلوك السلبي يحول حتما دون تحقيق غاية الحكومة في استثمار قدرة العسكر العراقي على الحسم في ساحة معركة متداخلة، وشائكة. هذا واتفاق من هذا النوع سيسهم حتما إذا ما توفرت شروط تنفيذه بتقويم ذالك السلوك وإعادة تحمل المسؤولية الوطنية في معالجة قضايا الوطن، والنهوض بمستلزمات إعادة بناءه.

إن خطوة إعادة السيادة وإن كانت جيدة بالمعياريين السياسي، والأمني كما ورد آنفا لكنها خطوة ستبقى غير كافية لتأمين الردع المناسب لمحاربة الإرهاب، وأعمال التخريب إذا لم يجر التفكير معها بإعادة بناء المؤسسة العسكرية بناءً وطنيا متوازنا، لا مجال فيه للانتماءات السياسية، ولا فرصة في مجاله للمشاعر القومية المصلحية. بناء يعاد فيه الاعتبار، والهيبة إلى الرجل العسكري لمستوى العودة ثانية في التغني والاعتزاز بالانتماء إلى عسكر كان أول فوج فيه لموسى الكاظم، وينسى معه السياسيون أن العسكر هم المسؤولون عن تخريب البلاد في زمن الظلم والاستعباد، ويعاودوا دعم عسكرهم كما يفعل كل سياسيو العالم عملا بالمقولة ( لا يكفي لأي بلد في عالمنا المعاصر أن يكون مؤثرا بامتلاكه اقتصـادا قـويا، وثقافـة مشعة، وسياسة ديمقراطية حازمة، دون جيش قوي يضعه في مرتبة ملائمة بين الأمم). والأهم منها جميعا أن تعزز الحكومة هذا البناء ورد الاعتبار من خلال سرعة إصدار القوانين التي تميز أو تقدر خدمة العسكر وهم يتصدون للإرهاب، وتنصفهم في عيشهم، وتقاعدهم بعد خدمة يقضوها عادة تحت تهديد الموت والإرهاق، وأن تشرع قوانين انضباطهم، وبعكسه ستجد أن كل اتفاقيات السيادة والاستقلال لا تضمن بقاء العسكر بيدها أداة رادعة، وإن كانت نواياها سليمة في الديمقراطية، وإعادة البناء.

د. سعد العبيدي            7/9/2006