الرئيس الكردي المنتحب ومستقبل الديمقراطية


تحققت الانتخابات فتقدم العراقيون خطوة إلى الأمام باتجاه الديمقراطية عندما أختار غالبيتهم ممثلين لهم في الجمعية الوطنية التي ستكتب دستورهم، وستراقب سير حكومتهم، وأسفرت المداولات وعوامل التوافق والنظرة إلى الذات في بعض الأحيان إلى انتخاب رئيسا للجمعية ومعاونين له سيديرون أمرها وينظمون أعمالها فكانت ورغم غصة المحاصصة في جوانبها خطوة أخرى نقلتهم كذلك إلى الأمام باتجاه الديمقراطية. ومع تلك الخطوتين أنتخب الأعضاء رئيسا للبلاد سيدعم مسيرتها، وسيرسي قواعد البناء الصحيح لكل جوانبها، فجاء انتخابه كرديا إضافة كبيرة سيتقدم بموجبها العراقيون خطوات عدة نحو الهدف المنشود بتعميم الديمقراطية. والإضافة هنا لا تأتي فقط من كون الرئيس المنتخب الأستاذ جلال الطالباني شخصية وطنية معروفة بتاريخها السياسي والنضالي الطويل على المستويين العراقي والعالمي بل وتأتي في واقع الحال من كونه شخصية عراقية كردية، سيضيف وجوده كرئيس للعراق الكثير من الإضافات التي تعزز تطبيقات الديمقراطية، من أهمها كسر الاحتكار الشائع للسلطة الذي درجت عليه النظم السابقة لسنوات عديدة دفعت بالبعض كنتيجة حتمية للتكرار والمنافع المتبادلة إلى المغالاة بالمشاعر القومية والطائفية حماية للذات الحاكمة وسعيا لإبقاء الرئاسة في المحيط الخاص، فكانت مشاعر متطرفة، وتوجهات، وقواعد للحكم قوامها الديكتاتورية التي دمرت العراق. وعلى هذا الأساس سيفتح الاختيار الكردي للرئاسة مجالا من الناحية النفسية لتحجيم تلك المشاعر المعززة للدكتاتورية ويكّون في نفس الوقت قدرا من القبول للآخر، والاعتراف بإمكانات الآخر، وكذلك التسامح والشعور بالمساواة معه في كل جوانب الحياة التي تعد من أهم مقومات التطبيق الصحيح للديمقراطية في بلد مثل العراق تركيبته الاجتماعية أقرب إلى التعقيد منها إلى السواء. وسيخفف وجود الرئيس كرديا على أعلى مفصل من مفاصل الدولة من بعض المشاعر التي تكونت بالضد من سلطة الدولة المركزية بين أجيال الشباب الكردستاني إثر الحروب المتكررة والإبادة الجماعية وأساليب التعامل التسلطية، وسيقربهم كثيرا من العمومية العراقية التي تعد أحد ركائز الديمقراطية في مجتمع عراقي أصبح فيه الميل إلى الخصوصية الموقعية" قوميا، وطائفيا، ومناطقيا، وعشائريا" أكثر من الانتماء إلى الوطنية العراقية. وسيشعر هذا الوجود باقي العراقيين من غير العرب والأكراد الذين يسهمون بتشكيل تركيبته الاجتماعية بقدر من الاطمئنان على مستقبلهم ويفتح أمامهم الأمل في إمكانية الوصول أيضا إلى المراكز السيادية الأمر الذي يزيد من مشاركتهم في العملية السياسية التي تقوي من أعمدة الديمقراطية في عراق قسمه الحكام السابقين إلى ملل وأقوام وأشعروا أهله بتفاوت الولاء إلى العراقية. وسيطمئن هذا الانتخاب دول العالم الأخرى المعنية بمساعدة العراق في الوصول إلى الديمقراطية وسيزيد من دافعيتها في الدعم والمساعدة بعد تلمسها تجاوز العراقيين للمسائل العنصرية في الحكم وتوجهم عمليا للتفاعل مع عالم يتجه إلى العولمة الإنسانية بديلا عن الخصوصية القومية والطائفية.

إن الإضافات التي سيحققها انتخاب شخصية كردية لرئاسة الدولة في مجال الديمقراطية وإعادة البناء ليست قليلة، والطريق التي سلكتها الأحزاب السياسية وباقي العراقيين في الوصول إلى ذلك ليست قصيرة، وسيبقى الأمل في تحقيقها مرهون بدعم العراقيين، بينهم الأكراد للرئيس المنتخب ومساعدته جديا من أجل التطبيق الجاد للديمقراطية.               

د. سعد العبيدي                                                         8/4/2005