الدولة العراقية بين الافتراض والقياس


أفترض صدام عام 1980 أن جيشه قادر على تدمير الجيش الإيراني وإسقاط النظام الحاكم، فأمر قواته بالهجوم قبل أن يقيّم بشكل دقيق"يقيس"قدرات الإيرانيين فأوقع نفسه في مأزق الافتراض ووضع الحجر الأساس لمعالم التأزم في العراق، وأفترض أن ستة جيوش كان قد بناها بأموال وأجساد العراقيين ستقاتل الأمريكان عام 2003 قتالا يدوم عدة أشهر يفسح له مجال تفاوض وتحرك قد ينقذه من الشرك المنصوب، فقبل المجازفة قبل أن يقيس العامل النفسي في الرغبة بالقتال، فورط نفسه بمجرد افتراض أنهى آخر صرح له كإمبراطور للعراق ودمر البلاد. وتلك لم تكن وحدها الافتراضات التي أسس عليها صدام قراراته دون الاستعانة أو الركون إلى القياس، ولم يكن هو وحده من حكام العراق في التاريخ الحديث قد وقع في وهم الافتراض تجاوزا على القياس، فكان قبله البكر قد أفترض أن صدام مخلص له والنظام بسبب كونه من نفس العشيرة والمنطقة فدفع حياته ومستقبل العراق ثمنا لذاك الافتراض، ومن قبلهما عبد الرحمن عارف الذي أفترض هو الآخر أن عبد الرزاق النايف وكيل مدير الاستخبارات العسكرية العامة وعبد الرحمن الداوود آمر لواء الحرس الجمهوري المسئولان عن أمنه وحماية النظام هم أكثر الموالين له بسبب أصولهم المناطقية والعشائرية فدفع بكرسيه والحكم وحاضر العراق ثمنا لهذا الافتراض، وكذلك الحال بالنسبة إلى أخيه عبد السلام في افتراضه أن طائفية القيادة السياسية والعسكرية ستحول دون نجاح الانقلابات على حكمه قبل التعرف على أي قياس الأثر السلبي للتوجهات الطائفية في حكم العراق، وعبد الكريم قاسم في افتراضه المراهنة على الشعب في مسألة الدفاع عنه زعيما أوحدا وعن جمهوريته التي خلصتهم من عبودية الإقطاع دون الركون إلى المنطق أحد وسائل الاستدلال والقياس فدفع حياته ثمنا لافتراضه وأسهم في إرساء قواعد الديكتاتورية في العراق، ومن قبلهم جميعا نوري السعيد السياسي المخضرم الذي افترض أن توجهه والعراق إلى أحد القطبيين العظميين "أمريكا" بعد الحرب العالمية الثانية دون أن يأخذ بالاعتبار " يقيس " ردود فعل الانجليز أصحاب النفوذ الأصلي في البلاد، فأوقع نفسه والملكية في العراق في محنة كان ثمنها حياتهما معا ودخول العراق ساحة التوتر والتدمير والاضطراب لنصف قرن من الزمان.....الخ من أمثلة للافتراض إذا ما تجاوزناها وما مضى من أيام زمان ومن نقد للتاريخ وشخوصه كعادتنا في العراق، وتمسكنا بالحاضر خطوة باتجاه التقويم نجد أن الشخصية القيادية العراقية هي ذاتها لم تتبدل رغم مجاهرتها بمحاربة الماضي وأخطاء من سبقها من الحكام، ونجد أيضا أن افتراضات القادة والسياسيين الذين سبقوا ما زالت ماثلة بذات المعنى وإن اختلفت بعض أشكالها بالتكرار، ونجد على رأس قائمتها خاصية الافتراض بلا قياس، التي أبقت عقلية الحزب القائد سائدة وإن استبدلت بستة أحزاب افترضت أنها الأقوى والأخلص والأكفأ لقيادة واستثمار التغيير في العراق، وأبقت صيغ اتخاذ القرار في مفاصل الدولة فردية وإن استبدلت فيها الفروض من الضرورة الثورية إلى الحاجة الأمنية، وأبقت كذلك عبد حمود مثالا لتقديم المشورة يفترض وجوده المسئولون وإن نسخوه بأعداد كبيرة تغير فيها الزي ليناسب الأصل طائفيا وقوميا، وأبقت العراقيين في حيرة من أمرهم لا يصدقون ما يجري من تكرار للتجاوز والخطأ بسبب الافتراض، وأبقت كثير من الأسئلة على ألسنتهم أولها: هل يعقل أن العراق الذي يتغنون بتاريخه العظيم، وأمجاده العديدة يعجز كل سياسييه الذين تزيد أعدادهم على ما موجود في الدول المجاورة، وأساتذته الذين يتفوقون على أساتذة الدول في المنطقة، وشيوخه المتلونين أكثر من تلون الشيوخ في الدول المجاورة وغير المجاورة، وعماله المخلصين، وفلاحيه الجادين، وطلبته الوطنيين أن يفرضوا القياس وسيلة تجنبهم والبلد الجريح تكرار الاتكاء على الافتراض أسلوب في الحكم والقرار يمكن أن يعيد العراق إلى نقطة الصفر من جديد.                           

د. سعد العبيدي                            22/10/2004