كأننا نتجه في عراق اليوم نحو البداية، نكوصاً الى تلك الأيام التي كنا نجلس في صباحاتها،لنجد على رصيف الشارع المقابل لبيوتنا جثة مغدور، لا أحد يعرف من غدره، ومن ألقاه بلا حياء إنساني مقطوع الرأس، وصلنا حدودها حالة مرعبة في تلك الأيام السوداء، لأن مؤسسات الدولة الضابطة آنذاك كانت تعرف القتلة وأصولهم وانتماءاتهم، تتابع كامل خطواتهم منذ الخروج من مكامنهم حتى مشوار الالقاء على الرصيف، أو على حافة ساقية،أو بستان، لكنها لا تجرأ على الإعلان والمحاسبة محاباة للبعض، وخوفاً من البعض الآخر،عندها تمادى الفاعلون، وانتقلت عدوى الغدر الى الشارع، تلقفها الانسان الجاهل غير المنضبط، وضع لها اسعاراً لأشكال القتل في سوق سوداء وصلت حدود الخمسة وعشرين ألف دينار للرأس الواحد، والآن وبعد عقد من ذاك الزمان الغابر وأكثر، تكرر الغدر في البصرة والناصرية والعمارة، وزحف الى بابل، ومن ثم الى بغداد، العاصمة، حالات غدر ومحاولات في العلن، باتت تتزايد نسبها، لتنذر باحتمالات العودة الى تلك الأيام المليئةبالكوابيس، إذا لم تتجاوز مؤسسات الدولة المعنية حدود الحياء السياسي، وتعلن صراحةمن وراء هذه الاغتيالات، ومن هم المنفذون الحقيقيون، خاصة وان الاغتيال الحاصل غالبه سياسي أو بأدوات السياسة.
إن حماية المجتمع من الوقوع في مستنقع الاغتيال مسؤولية الحكومة، وسلطاتها القضائية والأمنية، وكل الأحزاب المشاركة في تشكيلها، عليها ان تسارع لإيقاف الغدر السياسي منهعلى أقل تقدير، قبل اتساع الرقعة، ودخول الحلبة أطراف الضد من المستهدفين والقلقين،وقبل دفع الجميع ثمن الفوضى والاضطراب الأمني، وتعطل مشاريع البناء التي شرعتفي مجالها الحكومة، وبدأت خطوات ملموسة في أكثر من مجال، علماً أنه، وفي مثل هكذا ظروف تنذر بالأسوء، تظهر السلطات الضابطة في المعتاد حزماً، وتضاعف جهودها في الردع، وتتجاوز حياء السياسة، لتعيد البوصلة الى اتجاهاتها الصحيحة.