الحقد لا يبني دولة


مرت بالعراق في العقود الستة الماضية أحداث متعددة الاوجه أو مر العراق هو نفسه بأحداث ذات أوجه متعددة، لا فرق بين الحالتين في أنتاج كم من الانفعالات العدائية السلبية "حقد عدائي" للبعض تجاه بعضهم الاخر وبمستوى من الشدة كونت في النفوس كرها مغلفا بالحقد للبعض على بعضهم الآخر. فالجمهوريون بعد تموز كرهوا الملكيين انفعاليا وأقصو اتباعهم جانبا أو بالمصطلح السياسي الجديد أجتثوهم من أعمالهم فزادوا كمية الحقد في داخلهم على النظام ومن سار معه، ومن بعدهم جاء بعثيو 1963 فأجتثوا الشيوعيين والاكراد والقومين العرب انفعاليا، وكونوا في نفوسهم جميعا حقدا على دولة البعث ونظام الحكم، وهكذا استمر الحال حتى عام 1968 عودة البعث الثانية، بطريقة اتمت اجتثاثا بدأته في السابق، بطريقة مختلفة نسبيا، اذ تعاملت مع المجتمع العراقي باتجاه الاجتثاث المادي والفكري، ساعية الى وضع الجميع من أبناء الشعب في قالب البعث الواحد "التبعيث الشامل"، على أساسه لا يسمح بالبقاء في دائرة البناء الوطني لمن لا يكون قد تخرج من القالب المذكور، فتكون بالنتيجة كم من الحقد في نفوس من بقي في القالب أو من كان في خارجه، وتسببت في ذات الوقت بخسارة آلاف العقول المهمة لبناء الوطن، هاجرت أو تنحت أو سجنت أو رُكنت جانبا، فدخل العراق بمحصلتها مرحلة التردي التدريجي، سهلت من أنهياره نظاما لم تدافع عنه جيوش القالب الواحد، وان بلغت أعدادها ملايين من البشر المنخور نفسيا... ثم انتهت المرحلة، وتنفس الناس الصعداء، بينهم الموجودين في القالب، بعد أن تصوروا نهاية العداء الانفعالي بانتهاء الديكتاتورية المنتجة للحقد، لكنهم صدموا بعد فترة قليلة من السقوط بعد أن وجدوا في الديمقراطية العراقية التي يفترض بها نظاما منتجا للعدالة والتسامح والمساواة، قد أنتجت كما من الحقد العدائي يفوق كل المنتج لكل المراحل الزمنية التي مر بها العراق منذ تأسيس دولته الحديثة عام 1921وحتى عام سقوطها في 2003، اذ لم يبق بعد هذه السنة الحقد على حاله حقدا للشيوعيين على البعثيين، او للاسلاميين على الحكم البعثي أو للاكراد على سلطة الحكم المركزي، بل تجاوزه حقدا عدائيا جزئيا الى حقد عدائي كتلوي شامل فيه:

الاسلاميون يكرهون العلمانيون ويعادي العلمانيون الاسلاميين.

لا يرتاح العرب الى الاكراد، ولا يقبل الاكراد، العرب.

لا يطمئن الشيعة الى السنة، ولا يرتاح السنة الى الشيعة.

تتبادل الكتلة السياسية المتدينة الحقد مع الكتلة الليبرالية غير المؤدلجة. ويقف كليهما في صف الحقد المواجه للحكومة اذا لم تكن من قالبهما.

وفيه أيضا  يكره العامل رب العمل، ويبغض رب العمل عماله.

يحقد الموظف على المراجع، ويشمئز المراجع من الموظف.

يسرق مأمور المخزن عهدته نكاية حقدٍ بصاحبه، ويترك الجندي واجبه نكاية حقدٍ بآمره.

يأخذ الشرطي الاتاوة من الموظف، ويتقاضى الموظف رشوة من الشرطي.

يمنح المقاول نسبة من ارباحه الى اللجنة المعنية بالاحالة، ويعطي اعضاء اللجنة ما بحوزتهم الى مديريهم ليبقيهم فيها مستمرون.

وغيرها مؤشرات حقد متبادل قربتنا في العام التاسع للتغيير من أن نكون في غابة حقد ينهش كل من فيها الآخر، يأكل لحم أخيه ليبقى هو على قيد الحياة حاقدا حتى على من تسبب في موتهم. وقربتنا من استنتاج قوامه:

ان ما يحصل هو سلوك جمعي غير سوي نتج من عوامل بينها أو أهمها كثر الاجتثاث الحاقد عبر العقود الست الماضية.

سوف لن ينفع بقاءه في بناء وطن.

سوف يكون استمراره هدما كارثيا اذا لم يبادر كبار الساسة في انهاء شحناته الانفعالية السلبية بخطوات يكونوا هم فيها القدوة في التواد والتسامح والغفران. وبعكسه أي اذا لم يعملوا على تقليل مستويات العداء الانفعالي بين مواطنيهم، ويعيدوها الى الطبيعي مثل باقي المجتمعات البشرية سوف لن يبقى العراق كما هو العراق، وان بقيَّ بقدرة قادر سيبقى عليلا يتخبط بمحنه المؤلمة لعشرات مقبلة من السنين.

                                                                                 

                                                                              22/12/2012