يقر العالم بالحب، يحتفلون به، يكتبون له ولرموزه الشعر، يتبادلون فيما بينهم قبلاً وأحاديث معبرة عن وجوده طول العمر. هكذا هو الانسان أينما وجد وفي أي مكان يكون،أوربي كان أم عراقي كون له عالماً مليئاً بالحب، لكن الانسان وبسبب طبيعة تكوينه ونظامه الغرائزي كون له في المقابل عوالم ملئت بالغل والكره والعداوة، وقد أدركت المجتمعات المتحضرة أثر هذه العوامل على سعادة الانسان ورضاه وعلى أمن المجتمعات،فاتجهت الى تقليل العداوة بالتدريج بالتأسيس على التسامح نظاماً قائماً على أعمدة قوامها الود والتقدير والاحترام والقبول بالآخر. مستندين على حقيقة نفسية تتعلق بحاجة الانسان الى أن يَحب ويُحبْ كي تستمر مسيرة الحياة أكثر متعةً وأقل اضطراباً.
لكننا في العراق وفي هذا الزمن على وجه التحديد الذي بتنا ندرك فيه أهمية الحب البيني،أي بين الزوج وزوجته أو الحبيب وحبيبته أو الأب وابنته، نسينا أو تغافلنا الحاجة الماسة لإعادة بوصلة الحب المجتمعي (التسامح)، اعادتها الى دائرة الفعل الصحيح كي ننجو من هذا الغل الذي يحيط بنا من كل جانب، ولإعادة هذه البوصلة الضرورية لابد وأن نبدأ خطوة أولى في موضوع التسامح، نتسامح بداية مع أنفسنا على ما فعلناه بها وبالقريبين منها طوال هذه الحياة المليئة بالعثرات، ومنها نتجه الى خارجها لنبدأ خطوات أخرى،مسيرة تسامح أخرى مع القريبين منا، نزيل درن المشاعر العدائية التي علقت في عقولنا باتجاه الغير، نعيش دونها، نتسامح مع جار أخطأ يوماً بحقنا. مع ابن المحلة، لتكبر دائرة التسامح بين الطوائف والأقوام التي لم تهدأ تحركاتها في اعلاء الشأن الخاص والتقليل منشأن الآخر بسلاح حقد أعمى. بين العشائر والعشائر وهي تتصارع فيما بينها مغلف سلوك تصارعها بمشاعر العدوان القاتلة. بين الكتل والأحزاب وأهل السياسة الذين دفعت خلافاتهم وتناحرهم بالعراق الى هاوية يصعب الخروج منها دون تقديم المزيد من الخسائر. بين المتظاهرين السلميين وبين خصومهم الحكوميين في سوح التظاهر، بعد أن أصبحت هذه السوح أو بعضها ميادين قتل واغتيال واختطاف وتشويه تستخدم فيها العصا والحجارة والسكين، نستبدلها بالتسامح وبمشاعر، يسقط فيها الجميع من حساباتهم استخدام السلاح والعنف والحرق الذي يزيد من الكره والحقد ويضاعف مشاعر العدوان.ان سفينة العراق التي امتلأت بشحنات الحقد والعداء لا يمكنها الاستمرار في ابحارها سالمة بهذه الشحنات السلبية، ولا يمكنها الوصول الى الشاطئ المطلوب الوصول اليه دون المزيد من الخسائر التي يزداد كمها في الساعة واليوم بسبب فاعلية الحقد الموجود، خاصةوأنها سلكت في ابحارها أو اجبرت على سلوك مسلكاً تتلاطم طواله الأمواج، وهي على هذا، ولكي تصل الى مبتغاها بسلام يحتاج ركابها الى صفاء النوايا وتبادل التقدير والاحترام، والتسامح فيما جرى ويجري، أملاً في العيش بسلام.
15/2/2020