(1)
لقد كانت البداية التأسيسية للجيش العراقي، في ظروف داخلية صعبة أعطته وعموم المؤسسة العسكرية بعدا أمنيا داخليا أكثر من البعد الدفاعي الوطني، حتى عد بعض المحللين أنه تأسيس كان محكوما برؤية استراتيجية محددة. استطاعت في بداية القرن العشريين أن تضع الخطوط الأساسية لمستقبل العراق السياسي على نحو مهد الطريق سهلا لصناعة ألغام أمنية "أزمات" بثت على طول طريقه الوعر. وعموما فإن البريطانيين الذين أرادوا بدايته جيشا بديلا عن جيشهم في التعامل مع الوضع الداخلي للعراق، هم أكثر من أضفى على مشواره الطويل وباقي افرع القوات المسلحة الصيغةالغربية، البريطانية.
تنظيما: على مستوى دوائر ومؤسسات المقر العام، والتشكيلات الميدانية "فرق، ألوية،افواج، فسرايا وفصائل".
تدريبا، وتعبية لاساليب القتال على وفق السياقات البريطانية.بقيّت غالبية مفرداتها وصيغها قائمة بشكل عام منذ التأسيس حتـى السني الاخيرة التي سبقت حله عام 2003.
لقد بات معروفا، أن من أقترح تأسيس الجيش العراقي هو السير برسي كوكس أثناء مؤتمر القاهرة في 12 آذار 1921، باجتماع حضره العراق بوفد منه كمعتمد سامي،والجنرال ايلمر قائد القوات البريطانية، والمس بيل السكرتيرة الشرقية للمعتمد السامي،والعقيد سليتر المستشار المالي، وأتكنسن مستشار الأشغال، والميجر ايدي مستشار الدفاع بالوكالة، وعراقيان هما جعفر العسكري وزير الدفاع في حكومة النقيب المؤقتة،وزميله حسقيل ساسون وزير المالية، اللذان مثلا في اللجنة كاستشاريين يحضران اجتماعاتها عند الحاجة إليهم وبطلب من الآخرين.
انها صيغة تأسيس تعني ان هناك قيما وضوابط عسكرية عثمانية بريطانية، تفاعلت فيمابينها، فانتجت قيما عسكرية للقوات المسلحة العراقية تعتبر مناسبة تماما لتلك المرحلةالزمنية، خاصة لما يتعلق بالضبط والالتزام وتبادل الاحترام، وتقدير الخدمة العسكريةوطنيا.
لقد استمرت الصيغ الاولى التي ارادها مؤسسو الجيش على ماهي عليه، حتى عام1958 حيث التغير الواسع لما يتعلق بالتسليح والتجهيز الذي اتجه شرقا، والقيم العسكرية التي هوت انحدارا، والسياسة التي اخترقت جدار بنيته الرصينة، من خلال اختلاط العسكر باحداث الشارع، وانفعالاته السلبية. عدوى الحزبية التي انتقلت بعضمعالمها عن طريق الوجبات الاولى للضباط الموفدين للدراسة والتدريب في الاتحادالسوفيتي. ومن خلال مساعي الضباط الحزبيين، البعثيين والقوميين العرب والشيوعيين الموجودين في الخدمة، الساعين الى نشر افكارهم وزيادة الكسب التنظيمي لاحزابهم.اختراقٌ، بدأ ذلك العام، وما بعده في كل الاعوام التي تلت، فتسبب في حصول تغير اوتصدع في بنية القوات المسلحة، بعد ان ارسى قواعد تقاطع سياسي، وصلت مستوياته
في بعض المراحل الزمنية، الى التصادم العلني بين الاحزاب النافذة في الوحدات والتشكيلات القائمة آنذاك، كل يجري بالاتجاه الذي يضمن له السيطرة عليها "القوات المسلحة" كأداة مهمة لفرض النفوذ على السياسة، وكان نصيب الشيوعيين من هذا التصادم في بدايته استحواذ على شريحة المراتب حتى عام 1963، باعتبار الحزبقاعدة للعمال والفلاحين والمحرومين، ونصيب البعثيين استحواذ واضح على مستوى الضباط، زاد بشكل كبير ليشمل عموم الضباط والمراتب بعد عام 1968.ان هذا النوع من الاستحواذ السياسي، سبقه أستحواذ اجتماعي لا يخلوا من السياسة، اذأقتصر القبول الى الكليات العسكرية والامنية، بداية التاسيس ولغاية عام 1958، علىابناء الذوات والعوائل المعروفة سياسيا وعسكريا وعشائريا، حتى ان المؤسسة وعند ماشعرت بالحاجة الى المزيد "سد النقص الحاصل بالرتب الصغيرة بسبب التوسع بالتشكيل" بعد فترة قصيرة من التاسيس، توجهت الى العشيرة لتكون معينا لها، ومن ابناء شيوخها حصريا، يدخلوا دورات قصيرة، ويمنحوا الرتبة العسكرية، وان لميحوزوا على الشروط المتعلقة بالتحصيل والعمر، فأخل الاستحواذ هذا بمستلزمات المهنية فنيا ومعنويا. حتى بات هذا الامر اي تطويع ابناء العشائر كضباط في الجيش،موضوع استمر العسكريون المحترفون يتداولونه نقدا الى ستينات القرن الماضي، وعنه راجت عدة روايات تتعلق اغلبها بدوافع التطويع، بينها محاولة سحب العشيرة الى داخل جدار الدولة الامني، وربطها بمصالح تلزمها ان تدافع عن الدولة في ظروف باتت اغلب المشاكل تأتي من بين صفوفها. وبينها ايضا ان الملك فيصل الاول قد استشعر الانحراف المذهبي للجيش الذي ابتعد عن الجنوب العراقي بسبب موقف المرجعية الدينية من الانتماء اليه، وسعة تأثير الضباط المؤسسين الذين ينتمون جميعهم الى طائفة واحدة،ادى الى ان يسهل كل منهم لاقاربه وابناء مدينته الدخول الى الكليات العسكرية الفتية"تأثير التوسط في القبول" مما تسبب في ان يكون سواد الضباط في الجيش والشرطةودوائر الامن من اتجاه مذهبي واحد، ومن عشائر ومناطق محددة، صبغت القوات المسلحة بصبغة الخصوصية على حساب العمومية.... خرقٌ، استشعره الملك "حسب هذا الرأي" فأمر بفتح دورة خاصة لابناء عموم العشائر العراقية "أولاد شيوخها"ليمنحوا رتبة ملازم في الجيش، الا ان القادة العسكريين الموجودين في قمة الهرم العسكري والمؤسسة الدينية اسهما من جديد في ان يكون غالبية المنتسبين الى الدورة من العشائر ذاتها الموجودة في أعلى وسط وشمال العراق التي رحبت بالفكرة ودعمتها بالكثير من الشباب، في الوقت الذي امتنعت فيه غالبية العشائر الجنوبية "باستثناء القليل" لنفس الاسباب المذكورة، فدخل الى الدورة قليل من ابنائها. سجلوا حضورا وانلن يلبي رغبة الملك التي ارادها، فقد فتح بابا كانت موصدة، لآخرين، دخلوا منها الىصفوف الجيش، بتزايد متتابع لم ينه خلل التجانس، المخل بمشاعر الانتماء الى الوطن،التي كانت من أهم عوامل الهدم لبنيته، استمرت فاعلة في جدرانه المتصدعة حتى الايام الاخيرة لحله عام 2003.