المسافة النفسية بين الاسلاميين الثوريين والليبراليين الثوريين لما يتعلق بالجوانب الفكرية وكذلك لما له صلة باساليب ادارة الدولة والمجتمع، تكاد ان تكون بعيدة، او ان موقعهما في مجالها يأتي في الغالب على حافتيها المتناقضتين. مسافة أفتراضية، بقيَّ كلطرف بالتجربة التي منحت له في ادارة الدولة بالمنطقة العربية، محافظا عليها، وساعيا الى زيادتها، وكأنهما مدفوعين الى قطيعة، بقوة دفع يريدها ويصيغها مصدر واحد،لغايات متعددة احدها او في مقدمتها اشاعة الفرقة وتفتيت المجتمع.

ان حوادث التاريخ القريب أثبتت ان المسافة بقيت بعيدة، منذ الفرصة التي اتيحت للقوميين الليبراليين الثوريين في تصدر قيادة بعض مفاصل الامة منتصف القرن الماضي، حيث النجاح بامتياز في تحقيق الغاية بتشكيل أفكار الاجيال باتجه بغض الامة لذاتها حدا لا يمكن ان تلتقي فيه لمئات مقبلة من السنين، والى الفرصة اللاحقة نهاية القرن الماضي وبداية الحالي التي توفرت لبعض الاسلاميين المتطرفين في أعتلاء القيادة، حيث النجاح بنفس مستويات الامتياز في التمهيد لصياغة افكار أبتعاد عن وحدة الاسلام وروح شريعته السمحاء. واثبتت أي حوادث التاريخ كذلك أن المسافة ستبقى بعيدة الا في جانب واحد، يتعلق بتقدير الخطر المحدق بالحاكم وسبل التعامل معه، اذوفي حالته تقترب المسافة بين النقيضين حد التطابق، وكأنهما موضوعان في زاويةواحدة للحرج يكونان منها مدفوعين حتما الى صيغة رد واحدة بقوة دفع مصدرها واحد،غايتها تقليل شأن الحاكم الثوري او مدعي الثورية، (ليبرالي كان أم اسلامي) ووضعه في أطار الوهن التدريجي حتى انهاءه في الوقت الذي يؤدي فيه الغاية كما حددهاالمصدر الواحد... استنتاج لفكرة المسافة النفسية أو عامل التباعد والاقتراب والنهاية المحتومة يدعم صحته الهجوم على مصنع الاسلحة في العاصمة السودانية الخرطوم 24من الشهر، وتصريح وزير النظام السوداني الاسلامي الثوري بانهم يحتفظون بحق الردفي الزمان والمكان المناسب، مع معرفتهما التامة انهم عاجزين عن الرد على دولة اسرائيل التي تتفوق عليهم بآلاف المرات. وهو تصريح يتطابق مع تلك التصريحات التي اعتاد عليها الحكم البعثي السابق للعراق، عندما تعامل مع مواقف الحرج الامريكية المتعددة بصيغة الاحتفاظ بالرد حتى لفظ انفاسه دون التمكن من حمياية نفسه من الرد

المقابل.

من هذا التطابق يتبين ان الطريق واحد سار عليه الحكم السابق في العراق برؤياه القومية الثورية وانتهى بعد أداء المهمة باتقان، ويسير عليه العديد بينهم الحكم السوداني باصوله الاسلامية الثورية، ليصل في نهاية المطاف الى نفس النتيجة، اذا لم يسارع في الحال باعادة حساباته الثورية، وتغيير توجهاته في دعم التطرف الذي مهد الى تفتيت الامة.

على وفقه يمكن القول أن الثوريين في منطقتنا الساخنة يلعبون أدوارا يحددها الكبار دون معرفة منهم، يعيشون نشوتها، خسائر متتالية، لا يعترفون بوطئتها، وبدلا من الاعتراف
ولوم الذات يضعون آمالهم البعيدة فوزا بالآخرة، دون الالتفات الى شعوب لهم تُحرق فينار أوقدتها ادوارهم الثورية.

25/10/2012