التيه العراقي: الاحساس بالقلق


الدولة العراقية منذ تأسيسها غير مستقرة بمقاييس السياسة وموازين الصراع، وكذلك وضع العسكر فيها والاجهزة الامنية بحالة استنفار على طول الخط، والحاكم الاعلى في قمتها، يشعر بالتهديد من القريبين منه ومن البعيدين. وجماعة الحزب والكتلة والعشيرة والطائفة والرفقة، وسط هذه الاجواء المتوترة غير متماسكين بتقادير العلوم الاجتماعية والنفسية. والمجتمع الحاضن لهم كجماعات صغيرة مبعثرة متباين في مستوى الثقافة والتحصيل، تمتد بعض جذوره الى الصحراء القاحلة وسالف الزمان، واخرى تنبت وسط المدينة بين جدران الحضارة الانسانية المتلكئة. وضعٌ في العراق انتج انسان قلق يفتش عن منافذ للتقليل من قلقه، وجد في عداوة الوطن ايسرها للتنفيس، وأنتج في كل الازمنة الماضية حاكم اكثر قلقا، يرى في عداوة المواطن خير سبيل للتبديد، فتعادى الحاكم والمواطن والوطن في معادلة علاقات للحكم اساسها عند المحكوم انسحاب سلبي للتخلص من القلق، وسبيلها عند الحاكم استبداد قسري لتوزيع القلق. وان وصل في مجالها متزن الى منصة الحكم، سرعان ما يخلق بسبب الاحساس بالقلق اتباع قريبين يحثونه على الاستبداد في الحكم، واستخدام القوة المفرطة، طريقة لتحقيق غاية الحكم. وفي طريقه الى هذا، سرعان ما يصطدم بفوضى الذاتية، واضطراب التجزأة، وتناحر الرعية، فيؤمن برأي الاتباع بالحاجة الى القسوة لفرض السيطرة، يعززها ببقايا افكار عالقة في ذاكرته السياسية عندما كان خارج الحكم، فيغير من طبعه، ويكمل مسيرة من سبقه في حث الاجهزة الامنية لتنفيذ احكام السيطرة القسرية. فيعيد المجتمع الى حيرته، والى نقطة الصفر التي يصنف فيها مصابا بنوع من القلق الوجودي، او كأنه هكذا عندما يبقى الواحد من ابناءه ثابتا في مكانه يترقب رأي الاعلى. ويبقى العسكري في ساحة قتاله حائرا ينتظر أمر الاعلى. ويبقى العامل في معمله مشدوها حتى مجيئ التوجيه الأعلى. واكثر من هذا ينتقد العمل الذي لم يأت من المرجع الأعلى، يتمنى الخلاص من مصيبته عن طريق الغير، لا يفكر بالكيفية او بجدية المساهمة في الجهود اللازمة للخلاص. يهرب أحيانا في خيالاته إلى الخلف، واحيانا الى الامام، فيغوص في مصطلحات التمني والينبغي واليجب، وكأنه يطالب بالمستحيل. يذكر امثلة من الماضي السحيق، يضع على اساسها اهداف لا يمكن بلوغها منطقيا. يجعل نفسه مع اول خطوة له في السياسة، بديل عن الحاكم المتمرس في فن السيطرة القسرية، يناقش أقرانه في المقهى والشارع باحقيته في هذا الطرح، وبعضهم يتحمس له راض عن طروحاته عسى ان يكون يوما من التابعين له في الحكم. كأنه في قلقه الهائم هذا يعيش تيها فكريا او غيبوبة تيه فكري. مؤشراته في الوقت الراهن، وقبل عشر سنين، ونصف قرن من الآن، وقوف للبعض غير القليل عند نقاط ثانوية لها علاقة بأحقية الحكم قبل ألف وخمسمائة عام، يتجادلون بصددها، ويختلفون بجدالهم حد التصادم احيانا. يتجاوزون في جدالهم الدائر حاجة مجتمعهم الآن الى صيغة حكم صحيحة، يربطون خياراتهم الجدلية بالماضي المختلف عليه. يغالون في التدقيق بمسألة لا علاقة لها بموضوع العراق من بعيد أو قريب، ويتركون ما يهم مستقبلهم والبلاد. يكلفون غيرهم بمهام المشاركة في حل مشاكلهم، ويتوجهون او يتوجه كبارهم افواجا الى الغير للاستعانة به في فرض الحلول التي تناسبهم. ويكونون جاهزين لانتقاد الطرف المقابل لهم عند توجهه صوب الغير الذي لا يتفقون مع رؤياه في الحل طائفيا او قوميا. يديرون ظهورهم لما يجري من بطش وظلم اذا ما جاء من جماعات ينتمون اليها، ويصرخون باعلى اصواتهم اذا ما جاء من جماعات لا يرجعون اليها. يتكاسل كثيرون منهم او يشعرون باليأس فيتركون المسؤولية والمهام الوطنية الى أشخاص أقل قدرة منهم على إنجاحها، ويجلسون في مقاهيهم ودواوين بيوتهم ينتقدونهم على الفشل والتقصير وعدم الكفاءة. تيه كأنه محكم، أغلق منافذ الحل، يحتاج في وقتنا الراهن الى من يسلك صحيحا  لفتحها قبل فوات الاوان.


                                                                             د. سعد العبيدي

                                                                             13/6/2012