التوافق في مستقبل العراق الديمقراطي


من حق كل طرف عراقي من تلك الأطراف التي تشكل تركيبته الاجتماعية أن يطرح طلبات أو أعلى سقف لطلبات يحاول تضمينها في الدستور المقبل للبلاد، بسبب ضعف التجانس في التركيبة، وبسبب معاناة من الظلم والقهر والاستعباد تتحمل مسئوليتها الاعتبارية غالبية العهود التي حابت البعض وانحازت إلى البعض الآخر..... معاناة من الشدة تدفع حتما إلى التحسب حد الارتياب. ومن حق كل طرف في ذات الوقت أن يتوجس في بعض ما يضعه الطرف الآخر من طلبات رافضا تسطيرها في الدستور القادم للبلاد، بسبب هامش المجهول في مستقبل لا يمكن الاطمئنان له، والذي تدفع عوامله من في دائرة المسئولية أو خارجها إلى التأني حد الرغبة في التوقف عن المسير. ومن حق المُحتل الذي كسب حربا على الأرض العراقية أن يحتج على فقرات قد تُحرف البلاد عن الطريق المرسوم، ومن حقه أن يضغط أو يفرض أفكارا يراها تحول دون أن يكون العراق بؤرة توتر في غير صالحه والعالم الجديد، لأن أصول اللعب في الحروب الدائرة عبر التاريخ تعطي الرابح ذلك الحق، وتحرم الخاسر من حقوق له في المناورة الكاملة، وتحديد المستقبل المنظور. والشكل المستقبلي للمنطقة التي يقع فيها العراق وطبيعة التوازنات الإقليمية والدولية فيها، ومعالم العولمة السياسية في عالم يتجه إلى الديمقراطية والتعددية واقع يفرض نفسه هو الآخر، أو بالمعنى الأدق واقع يعطي بعض الدول ذات النفوذ القوي في العراق أن تضغط من جانبها بالاتجاه الذي تراه ملائما لمستقبل لا يتقاطع والواقع المذكور.

هكذا هو الحال النفسي السياسي الذي حكم الأطراف المعنية بكتابة المسودة المرتقبة للدستور، والذي أسهم في إحالة موضوعها إلى القادة السياسيين الذي يتحملون مسئولية إدارة الدولة والمجتمع في اشد الظروف خطورة، لكن هذا الحال المعقد، ورغم خطورة تعقيداته على مستقبل العراق، وحاضره فإن النقاش في جوانبه، وكذلك الانتقال إلى الجمعية الوطنية في الدقائق الأخيرة طلبا إلى التمديد لمدة أسبوع، وحصوله بإجماع الأصوات قد اشر اتجاها عقلانيا ورغبة صادقة لدى المسئولين في أن يحسموا الخلاف بالتوافق على صياغات للنقاط الحساسة ترضي الجميع جهد الإمكان، وأشر في ذات الوقت أن سقف المطالب العليا سوف لن يبقى عند مستوياته التي طرحت في بداية المشوار، وإن الرفض المقابل لبعض المطالب سوف لن يكون على نفس شاكلته، وإن الاتفاق النهائي سوف لن يكون بعيدا عن متوسط تمنيات العراقيين في أن يعيشوا ببلدهم آمنين، وأن يطمئنوا على ثروتهم، ويتنقلوا، ويعملوا، ويسكنوا في عموم مدنهم وأقاليمهم بحرية ودون أية قيود، وأن يتم التعامل مع الجميع سواسية في الحقوق والواجبات، وأن لا يشعر أحد منهم بالخسارة الفادحة من محصلة الدستور، وكذلك لا يسمح بأن يخرج أحد من محصلته كرابح وحيد، لأن التوافق العقلاني في بيئة مضطربة مثل العراق هو الحل الوحيد لما يتعلق بدستوره وكذلك بأمور أخرى تهم البلاد، خاصة وإن الاعتداد المفرط بالنفس، والاعتقاد بكسب جولة في معركة مع الأهل والأشقاء، والتصور المشوه للمستقبل المنظور، جميعها معالم تفكير خاطئ يمكن أن تجر البلاد إلى أنواع من الصراع المسلح يخرج من معاركه الجميع بخسائر تجبرهم للعودة ثانية إلى نقطة الصفر، والمطالبة بالتوافق المنشود، وهذا ما لا يقبله القادة الحاليون، ومع ذلك سيبقى أمامهم المشوار طويل وستبقى الحاجة قائمة إلى تدخلهم المباشر لتعبئة الجمهور وحثه على التصويت الإيجابي لأنه جمهور يصعب كسبه ويصعب وضعه في دائرة الحوار العقلاني يوم لا يكون فيه مجال إلى الحوار.

د. سعد العبيدي                                            19/8/2005