التجاوز في التعامل مع المتجاوز على المال العام


من حق العراقيين أن يعيشوا بنعيم معقول، وأن يؤمنوا حاجتهم الى السكن بمستوى مقبول ، ومن واجب الدولة أن ترعاهم وتساعدهم في تحقيق ذلك بإلزام يفوق المقبول، في علاقة منفعة تبادلية بين طرفين، ليس من حق المواطنين فيها، أن يتجاوزا على الدولة، وأملاكها والمال العام، تحت أي ذريعة كانت، وليس لمسؤولي الدولة حق في التنازل عن المحافظة على المال العام.

ومن واجب البرلمانيين والمسؤوليين الرسميين في الدولة أن يفكروا بالفقراء والمحتاجين، ويقدموا لهم الحلول المناسبة، لتخفيف أعباء الحياة، وتحسين أحوال العيش في السكن والتحصيل، في علاقة تمثيل تبادلية، ليس من حق المواطنين فيها أن يتجاوزا بحجة الفقر والاحتياج، وليس من حق البرلمانيين بالمقابل، تشريع القوانين التي ترسي قواعد السلوك غير الصحيحة، وتفرط بالمال العام.

إنها مبادئ عامة في الحقوق والواجبات بين المواطنين ودولتهم، لا يمكن أن يختلف عنها إثنان وإن كانوا من بين الفقراء، حاول برلمانيون عراقيون أخيرا، تسجيل موقف مختلف عن إتجاهاتها في الإدارة والضبط الاجتماعي، بطرحهم مسودة قانون تمليك المتجاوزين على أملاك الدولة، ما تجاوزوا عليه، مسجلين بمقترحهم هذا من وجهة النظر النفسية، محاولة تعزيز السلوك الخطأ في النفس المتجاوزة، أي إبقاء خاصية التجاوز في تركيبتها الشخصية، وذلك بمنحها مكافئة سخية لخطأ ارتكبته عمدا، في ظروف الغياب المؤقت لسلطة القانون، الأمر الذي يبقيها متربصة، مستعدة لإرتكاب فعل التجاوز، كلما سنحت الفرصة لذلك، ويفتح في ذات الوقت، أبواب التمني والتبرير للآخرين من غير المتجاوزين، للتجاوز، والنهب، عندما تسنح الفرصة في المستقبل.

إن التجاوز إضطراب إجتماعي، ستؤدي شرعنته بالإضافة إلى التعزيزالسلبي للفعل الخطأ، إستثارة سلوك النهب البدوي من مكبوتات المواطنين العراقيين، ذلك السلوك الذي دمر كثير من البنى التحتية، وكلف العراق مليارات الدولارات، في مناسبات توتر عديدة بدأت مع تأسيس الدولة العراقية الحديثة، وأمتدت لما بعد التغيير، كانت في مجموع قيمها المالية "لو لم تدمر"، كافية لبناء سكن ملائم لكل فقير، وسد الحاجة المادية لكل محتاج، وستؤدي كذلك إلى وضع مؤسسات الإدارة العراقية أمام كثير من المشاكل، التي لن تنته أو تسوى آثارها الجانبية، لعشرات مقبلة من السنين، يتعلق بعضها بمنازعة بعض دوائر الدولة على أرض، مصممة في الأصل لبناء معمل أو إنشاء حديقة عامة، وسيحول دون أنجاز مشاريع خدمية للدولة، بسبب حصول متجاوز على حق التملك في الأرض المخصصة لها، وستتحول أراض زراعية الى سكنية، وحدائق عامة إلى بؤر سكنية غير متجانسة، وستشوه مناظر المدن، وستقام أحياء فقيرة، تنتج الجريمة، وتجاوز على القانون، ما زال العراقيون يأنون من جراحه التي لم تلتئم  حتى الآن. وأخيرا فإن التجاوز، وإذا ما أسقطنا نوايا كسب الأصوات في الانتخابات التي باتت على الأبواب، ونظرنا إليه من زاوية الأولويات، نجد إنه مسألة لم تصنف مستعجلة، ولا خطيرة، وحلها، يتحمل نقلها إلى المستقبل القريب، الكفيل بتوفير الفرص المناسبة، لإنتاج الحلول المناسبة دون أستغلال، وتكوين الأجواء الملائمة لنجاعة الحلول المناسبة دون تفريط، ليس لهذه المشكلة فقط، بل ولكثير من المشاكل التي كونتها الإدارات السابقة للعراق، بسبب تعاملها الخطأ، مع حالة الفقر والمال العام. وفي النظرة من ذات الزاوية لهذا الموضوع، نجد أيضا، أن الفقر حال يتعلق بنظم الاقتصاد وأساليب الادارة، وكم الوعي والتحصيل العلمي، والتحضر، والنزاهة السياسية، لا يمكن أن ينتهي بمجرد السماح لمتجاوز في أن يسجل قطعة أرض أو بيت صغير من المال العام حقا له في التسجيل العقاري، ونجد كذلك وهو الأهم، أن شرعنة التجاوز ستبقيه قنبلة إجتماعية موقوتة، ستنفجر مع أي توتر وأضطارب مستقبلي، عندها سيكون تأثير أنفجارها أضعاف تأثيراتها السابقة، بحكم التعزيز.

15/1/2010