من ينظر الى أسرار العسكر العراقي في زمنين للدولة العراقية، يرى في موضوعهما العجب، إذ كان في الزمن الأول المباد كل شيء ممنوع، فذكر اسم القائد وموقعه على سبيل المثال ممنوع، كما إن التطرق الى نوع الطائرة الحربيةوبعض مواصفاتها ممنوع، والقانون في ذاك الزمان يحاسب بشدة قد تصل فيها العقوبة الى مستوى الإعدام لمجرد تناول مواصفات طائرة صنعها الروس أوالأمريكان ونشروا عنها أو عن مواصفاتها أدق التفاصيل، عندها وبسببها عزف العسكر عن التكلم والتصريح، وأبتعد الاعلام عن سياج الثكنات العسكرية بعد أن اصبح التقرب منها دون موافقات مسبقة مجازفة قد تودي بالحياة.

إنه واقع بطبيعة الحال لم يكن في جميعه صحيح، فالطائرات التي منعوا التكلم عن مواصفاتها هي طائرة أجنبية، ومذكورة تفاصيلها التي يمنعون الحديث عنها في المجلات والمواقع التخصصية، وأسماء القادة هي كذلك معروفة في غالبية الدول مع بعض الاستثناءات ذات الصلة بالقادة الذين يتسنمون مسؤوليات أمنية واستخبارية.

هذا واذا ما تركنا ذلك الزمن بتحديداته الشديدة غير المنطقية وانتقلنا الى هذا الزمن نجد النقيض الى حدود الانفلات:

فالبعض من القادة العسكريون والأمنيون لم يكتفون بإعطاء الأسماء، وباتوا يصرحون بما ليدهم بشكل مكشوف، وبعضهم أصبحوا نجوما لبعض الفضائيات،وأساليب القتال يناقشها الجندي البسيط ينتقدها أحيانا ويشيد بها أحيانا أخرى تبع الوضعه فيها، وأجهزة الاستخبارات هي من يذكر نشاطاته القتالية، يبادر بإعطائها الى الفضائيات وكأنها تتسابق مع غيرها لقياس أو تثبيت الكم الخاص بتلك النشاطات، وأعداد الطائرات ونوعها وعدد طلعاتها وقواعدها متاحة على مستوى العلن، والأدهى من هذا وذاك جعلت بعض الفضائيات ووسائل الاعلام من موضوع العسكر مادتها الرئيسية، تنقلاتهم وإحالاتهم على التقاعد، والنقد الموجه اليهم وانكان مجافيا للحقيقة وغيرها أمور بعضه مبتذل وبعضه الآخر مضر لهيبة القوات المسلحة ومعنويات منتسبيها.

إن العراق الآن وفي هذه الفترة الزمنية التي تشهد انتقاله بين التشدد والتقييد الأمنيوبين نقيضه الانفلات المعلوماتي سيكون هو الخاسر الأكبر، لأن الحرب قائمة على أرضه، ولأنها حرب تستهدف تدمير النفوس، واذا ما دمرت نفوس العسكر أو تم المساس بها فلا يمكن للوطن أن يبقى وطنا ولا يمكن للديمقراطية أن تستمر بالشكل الصحيح.

إن ما يجري الآن من نشر مبتذل للمعلومات العسكرية خطير يمس بمهنية العسكر وبهيبة جيشهم، لابد أن يحسبها الصحفي العراقي والقناة العراقية وأن لا يؤسسوا عليها في مسائل السبق الصحفي أو تصفية الحسابات مع بعض السياسيين، لأنها خسارة للوطن، وخسارة الوطن هذه سوف لن يتوقف ثمنها على فئة أو طائفة أو
جهة، إذ أن في مضمارها الواسع والمتشعب سيدفع الجميع ثمن الافشاء والاستهانة ،ومن بين الجميع أولئك الساعين الى النشر دون قيود تنبع من داخلهم من أجل العراق وطنا لأولادهم وأحفادهم من بعدهم!!!. 
18/11/2014