البطل


نسينا في العراق صورة البطل، وغابت عن مخيلتنا معاني البطولة والفداء بسبب الضبابية والتشويه أو العتمة التي وضعت فيها الصورة الحقيقية للبطل يوم استعرض الموصوف بطلا أمام السلطان واضعا معالم بطولته أو جسده فداءً للديكتاتور أملا في أن يقبض الثمن، ويوم كتب المراد له أن يُعرف بطلا تقريرا عن الزملاء جاعلا من قلمه سلاحا يبقي الظلم والاستبداد، ويوم تجمع من أسموهم أبطالا في تنظيمات إدارية للرفاق والأصدقاء وقسمت بطولاتهم درجات على أساسها تحددت عوائدها مخصصات ومكارم سخية سعيا من الأعلى لإذلالهم والقضاء على المعالم الوطنية للبطولة والفداء.

وفي وسط النسيان طيلة الخمس والثلاثين سنة الماضية لم يخطر ببال البعض منا أن مجتمعنا الجريح المنهك القوى يمكن أن ينتج أبطالا من خارج رحم الحزب الذي أحتكر البطولة وصفا، ومن العائلة الحاكمة التي تباركها تجاوزا، وتبين بعد السقوط أن أولئك البعض الذين لم يخطر ببالهم أن العراق يمكن أن ينتج أبطال، هم على خطأ إذا ما عمموا تصورهم على كل مفردات الزمن الذي نعيشه، وعلى جميع الشرائح الاجتماعية التي يتكون منها العراق، لأننا وفي عملية التحدي التي تدور رحاها على ساحة الصراع الجارية بين الاستقرار والإرهاب في وقتنا الراهن برز أمامنا بطل بمواصفات حقيقية للبطولة: حيث السعي إلى التضحية بلا مقابل عندما أدرك الشاب عماد الدوهان أن سيارة تحركت من موقفها على حافة الطريق الذي يسلكه موكب وزير العدل ورئيس حزب الائتلاف الوطني الديمقراطي المعنى بحمايته، وتوجهت مسرعة نحوهم، وفهم في ثوان أن غاية من يركبها عزل الوزير القائد السياسي عن موكب حمايته وتفجير السيارة بمحاذاته، وربما اختطافه، عندها تحرك سريعا بسيارته الشخصية التي يقودها ليكوّن حاجزا بين الجاني من جهة وبين المسئول السياسي من جهة أخرى، ونجح فعلا  عندما انفجرت تلك السيارة المفخخة بسيارته التي بددت زخم الانفجار وسمحت لسيارة الوزير أن تتخطى مركزه المدمر فكانت تضحية يستحق فيها أن يكون بطلا بكل المعايير الأخلاقية. وحيث الإخلاص بالواجب دون تورية عندما قرر في لحظة من الزمن أن النجاة الحتمية للوزير الذي أتمنه تفرض عليه التحرك سريعا رغم تيقنه أن تحرك من هذا النوع يعني الموت المحقق، فكان إخلاصا يمثل المعنى الحقيقي للبطولة بكل المواصفات القيمية. وحيث التفضيل البيّن لبقاء الغير على الوجود العضوي للذات عندما حسم الأمر باتجاه التضحية قبل أن يترك المجال إلى العقل في أن يستعرض في اللحظات الحاسمة صورة الزوجة الشابة التي سيتركها ولم يمض على زواجه منها سوى شهور فتكون صورتها دافعا لتأكيد الذات المقيد للسلوك، أو أن يتأمل المولود الذي ينتظره بعد عدة شهور فيؤدي تأمله إلى التعلق بالحياة الذي يكبل الاندفاع، فكان تفضيلا لديمومة العطاء يعبر عن سمو البطولة بكل القياسات البشرية.

لقد قطع علينا الفعل البطولي الذي أداه المرحوم عماد ولو مؤقتا سلسلة المحن السياسية التي نعيشها، وأبقانا في محنة التفتيش عن الأسباب والدوافع، وأوقف  أيضا ولو للحظات حالة الإحباط الاجتماعي التي نعانيها ووضعنا في حالة إحباط من فقدان الأبطال، والأهم من هذا وذاك فتح لنا هذا الفعل المميز وسط الألم والحسرة وشدة الظلام بصيص من الأمل في أن يكون بيننا أبطال، وإن مجتمعنا يمكن أن ينتج أبطال، وأن الحياة الآمنة المستقرة في عراقنا المنكوب يمكن أن تعود ثانية بجهود الأبطال، وإن الرغبة في القتل والانتقام، وفي جعل العراق ساحة إرهاب يمكن أن تنتهي إذا ما زاد عدد الأبطال.         

                                                                              د. سعد العبيدي

                                                                               23/7/2004