الانسحاب الأمريكي من المدن وصفحة جديدة من الحرب النفسية


لقد أنشغل عموم العراقيين بيوم الانسحاب الأمريكي من المدن تنفيذا لأحد بنود الأتفاقية الأمنية المبرمة بين الطرفين الأمريكي من جهة والعراقي من جهة أخرى، وهم أو في غالبيتهم يريدون تحقيق هذا الانسحاب وعودة السيادة الوطنية كاملة إلى وطنهم الجريح، وأقل منهم أنشغل الأمريكيون بهذا اليوم، وهم يودون الخروج من المأزق العراقي بأقل الخسائر الممكنة من جهة، ومن جهة أخرى تحقيق أعلى قدر من المكاسب الاستراتيجية التي دخلوا بسببها الحرب، وهي بوجه العموم غير معلنة، ستطفوا مؤشراتها على السطح بعد سنين عدة من الآن، وهذا انشغال بطبيعة الحال لم يتوقف على طرفي الأتفاقية، بل وسيمتد إلى أطراف الاقتتال في الساحة العراقية:

فالارهابيون من جانبهم مشغولون بالعمل على إحداث أكبر عدد ممكن من أعمال القتل والتفجير والاغتيال لتكوين حالة أضطراب في المجتمع العراقي تحول دون الانسحاب الذي يحرمهم حصوله من التأسيس على شرعية قتال المحتل دينيا، ويترك أعتقادا بضعف القوات العسكرية والأمنية العراقية، وبمستوى قد يسهم في تجنيد البعض إلى صفوفهم أو يعيد البعض الذي تركهم إلى الصفوف، ويحيي فيهم الأمل لمواصلة القتال بنفس قوة التأثير التي كانت سائدة قبل سنتين.

والمسلحون الذين يقاتلون بالانابة عن آخرين موجودين في الخارج دولا ومنظمات هم مشغولون أيضا بهذا اليوم، فوضعوا جهودهم في إشاعة الاضطراب مع جهود الارهابيين المنظمين أملا في أن يكّونوا ضغطا على الأمريكان يحول دون إنسحابهم، انسحابا يفقدهم شرعية طالما أسسوا على وجودها عوامل شحن إنفعالي للقتال، ويكونوا كذلك ضغطا على العراقيين الفاعلين في العملية السياسية، عسى أن يطلبوا من جانبهم البقاء دون الإنسحاب الذي يضعهم في حرج الوطنية.

والمناهضون للعملية السياسية ولتحقيق الديمقراطية والمفسدون هم أيضا مشغولون بهذا اليوم الذي يعد خطوة متقدمة على طريق التحقيق الجاد للديمقراطية بعيدا عن سلطة الأجنبي وتدخلاته التي لا تخلوا من المصالح الذاتية والانحياز، فأكثروا من جانبهم الإشاعات والأقاويل سعيا من جانبهم لتقليل القيمة النفسية لهذا الحدث الهام بين العراقيين، عسى أن يبقوا بعضهم بعيدين أو معزولين عن دولتهم ومؤسساتها، ليكونوا مشاريع أستغلال للغير بأتفه الأثمان.

ومع كل هذه المواقف والأحداث وأعمال الارهاب التي تتصاعد وتيرتها حتى يوم 30 حزيران وبعده بقليل ستنسحب القوات الأمريكية التي سعت حثيثا للانسحاب، وسيخسر الارهابيون وبعض الفصائل المسلحة غير الوطنية قاعدتها الشرعية "الدينية" في إدامة القتال، وستجد نفسها في حرج التفتيش عن سبل جديدة لشرعنة جديدة لا تصل بتأثيراتها النفسية الى فتوى مقاتلة الاحتلال، وستنحرج الدول الأقليمية التي تعودت التدخل لدعم الارهاب وبعض الفصائل المسلحة بدعوى الوجود الأجنبي على أرض العراق، وستتحرك القوات العراقية بحرية أوسع وبفاعلية أكبر وبوطنية اشمل للرد على الإرهاب، وستمتلك الحكومة العراقية أوراق لعب في ساحة الحرب النفسية، تفوق تأثيراتها الأوراق المتبقية لدى خصومها في ساحة القتال، الأمر الذي لابد وأن يدفعها "الحكومة العراقية" الى التفكير بفتح صفحة جديدة مع بعض الفصائل التي لم تتلطخ أيادي مقاتليها بدماء العراقيين، وبفتها هذه الصفحة بالعفو أو الاستيعاب أو المصالحة، ستسجل أنها أنتصرت في  معركة شرسة، وفي ساحة قتال نفسية شائكة، وستترك في ذاكرة العراقيين أنها تجاوت أزمة لم يشهد لها العراق مثيلا في تاريخ أزماته المتعددة منذ تأسيس دولته الحديثة حتى وقتنا الراهن. 

                                                                                                                                                                                                              27/6/2009