الإرهاب الفكري الديني ومسئولية الأجيال في الوقوف بالضد


في بداية صدر الإسلام أو في سنيه الإولى على وجه التحديد شهدت مكة والمدينة أندفاعا شديدا في موضوع الدعوة إلى دخول الدين الجديد، فسرها البعض من المسلمين المتحمسين آنذاك تفويضا سماويا باستخدام كل الوسائل المتاحة لإجبار الغير على دخوله مخيرين أو مكرهين، حتى أثار هذا التفسير مشاكل بين المسلمين وأبناء الأديان السماوية الأخرى في أكثر من مكان، وبسببها وأمور أخرى نزلت أكثر من آية تؤكد مسألة الأختيار الطوعي للدخول في الدين الجديد بعيدا عن الإكراه القسري بينها ( أفأنت تكره الناس أن يكونوا مسلمين) ( وأدعو إلى سبيل ربك بالحكمة والموعضة الحسنة) وكان نزولها منطقيا بدوافع الحد من التطرف الذي أدرك المسلمون المتعقلون الأوائل نتائجه العكسية على دينهم ومستقبلهم في الحياة.

وبعد كل هذه السنين الممتدة بين بداية الدعوة الإسلامية ووقتنا الراهن، يعود بعض الدعاة السلفيين المتشددين من غالبية المذاهب الإسلامية، إلى المغالاة في الدعوة الى أستخدام العنف حد القتل، والقسر حد الإكراه سبيلا للإرشاد والتقويم وفرض الإرادة، وأداة لترسيخ معايير الدين السلفية في الإدارة والسياسة على حد سواء، وبطريقة منفرة تثير الشك والأستغراب ومن ثم الإستجابة السلبية المضادة "الإيحاء المضاد":

فالمرور على مساجدهم مثلا يُسمعنا ألفاضا قوامها القتل لمن نسي الصلاة، ولمن تخاطب مع أجنبي، وكذلك لمن لم يطلق لحيته، ولمن عمل موظفا في الحكومة، وهكذا لم يسلم من دعواهم للقتل الجندي الذي يدافع عن وطن هم لم يشيدوه والشرطي الذي يقيم أمنا هم لا يريدوه والحكيم الذي لا يداوي بطب الفصد والحجامة التي يعتقدوه والجامعي الذي يؤسس علما هم لا يتبعوه، وهكذا تتسع القائمة العريضة تبعا لتطرف الداعية وخصائصه النفسية المضطربة، ويسمعنا كذلك خطبا مليئة بالتحريض على القتل لمن لم يسايرهم، وتعابير في الإلقاء مؤداها الغضب الذي يفضي الى الترويج لقتل من يتفوه بكلام يغضبهم، ولمن لم يتفق وسلوكهم، وهكذا تتضخم القائمة لتشمل فعل النقد والتصحيح وتبعا لحالة الخطيب الإنفعالية غير السوية.

والتفتيش بين أروقة الجماعات هذه وتاريخ نشأتها وتطور نموها وأمتداداتها الخارجية يكشف لنا كم هي الأموال التي تُجمع في مساجدهم لتمويل ودعم عمليات القتل، وكم هي الأعداد التي تم تجنيدها لتنفيذ مثل هكذا عمليات من بين الشباب الذين فشلوا في تحقيق ذواتهم او فشلوا بمواجهة أعباء الدنيا فتوهموا بنعم الآخرة جزاءً للقتل.

والإطلاع على أدبياتهم بتمعن يرينا شدة تركيزهم على آيات قرآنية مختارة حول التحريم والعقاب والعذاب والقتل، يجري تكرارها في كل مناسبة أو بدونها بعد أن أجتزأت منها الأسباب التي جاءت لنزولها (كرد للإعتداءات التي حصلت في حينها)، ويرينا أيضا أحاديث بعضها ملفق أو مشكوك فيه تحض على الانتقام والتفريق والقتل تزداد سعة وشدة تبعا لإمتدادات الجماعة في الخارج وحالة دعاتها النفسية غير المتزنة.

وبعيدا عن ما يجري في بعض المساجد التي زادت أعدادها عن الحاجة الفعلية لأستيعاب المصلين أو بما يفوق عدد المدارس المطلوبة لأنقاذ الأمة من جهلها، واماكن البحث المفروضة لإخراج الأمة من ظلامها، ومواقع الأستشفاء اللازمة لتخليص الأمة من آلامها ولاستيعاب متطلبات الحضارة الحالية وكذلك للصمود في مواجهة معالم الصراع مع العالم الآخر، نرى وبالإضافة إلى ذلك أنهم قد أوجدوا منظمات وجمعيات لاتختلف في أهدافها واساليبها القسرية في الدعوة الى القتل عن المافيات والمنظمات السرية المشبوهة، ونشروا نهج تفكير وسلوك بين أتباعهم ومريديهم يتأسس على الإرهاب الفكري والدفع إلى إرتكاب فعل القتل كنوع من العقاب:

إذ لا يكتف الواحد منهم بإطلاق لحيته على سبيل المثال بل يطلب منك أن تطلقها سنة نبوية لا يمكنك التخلص من عذاب الآخرة إن لم تلتزم بإطلاقها.

ولا تكتف المنقبة منهم بإخفاء معالمها غير الأنثوية، بل تجهد نفسها بالضغط على من يصادفها من النسوة لأن يحذين حذوها في النقاب الذي لا تتحول المرأة حورية في الجنة دون أرتداءه في الدنيا قبل الآخرة.

وهكذا يستمر الحال وتزداد المشكلة تعقيدا بعد أن أصبحت لا تتعلق فقط بخطبة الجمعة في المساجد السلفية والأخرى القريبة منها حيث التحريض وغسل الأدمغة وصيد الضحايا والموهومين، ولا تقتصر على التحجب والنقاب الذي أخذ طابعا سياسيا رمزيا يتكأ عليه البعض في المواجهة والتعامل مع الحاجات الإنسانية والاستحقاقات الدنيوية، ولا تتوقف عند حوار ديني مع أحدهم يحكم عليك في أثناءه بالرجم ودخول النار لمناقشة علمية أجريتها مع سيدة فاضلة، ولا تنتهي عند الحلقات الدراسية الدينية التي تقيمها تلك المساجد لبعض الأطفال والمراهقين التي تحشر في أدمغتهم كل أنواع العذابات التي تجري في القبر ويوم المحشر والحساب حد الفزع والخوف من الدين والدنيا وهم لم ينضجوا بعد. بل هي مشكلة مركبة تتعلق بأستخدام هذه المساجد وبعض مفردات الدين من قبل أناس في غالبياتهم عدوانين على ذواتهم وعلى مجتمعاتهم لأغراض الترهيب الفكري بطريقة سحبت المسلمين إلى خانة عنف يرى فيه مثل هؤلاء السلفيون المتطرفون سلاحا فعالا في جعبتهم لمحاربة باقي الأقوام التي ينعتوها بالضلالة والكفر، وتتعلق كذلك في تمسكهم بهذا النهج سبيلا لوضع الشباب في حالة التيه ومن ثم سحبهم إلى مجال العنف الذي يبعدهم عن مهامهم العلمية والأجتماعية وعن مسئولياتهم الاعتبارية في بناء أمتهم، وهي من ناحية أخرى مشكلة خطيرة بعد أن وقع هؤلاء السلفيون ومنظماتهم وأتباعهم ودعاتهم وأوقعوا غيرهم في فخ الصراع الجاري بين الحضارات باتوا فيه بعلم بعضهم أو بدون علم البعض الآخر أدوات تهديم فكري بيد من يريد التهديم، الأمر الذي يلقي أعباءً جسام على المثقفين والمتخصصين في أن يكتبوا وعلى الشباب في أن لا ينساقوا وعلى السياسيين في أن يقفوا بحزم، وعلى الإعلاميين في أن يفضحوا، وعلى الآباء في أن لا يستسلموا، لأن الطريق إلى المجتمع الديمقراطي المتحضر الآمن ما زال طويلا، وما زالت المطبات على جوانبه ليست قليلة.     


                                                                                                د. سعد العبيدي

                                                                                                14/12/2008