الإبتآس وأمل العودة إلى الحياة الطبيعية


في مؤتمره الصحفي يوم الخميس 1 تشرين الثاني الحالي أكد قائد قوات متعددة الجنسيات أن الوضع الأمني في العراق يتحسن، وأعطى مؤشرات لهذا التحسن، ونوه عن أسبابه التي من بينها وصول العراقيين إلى حالة الابتئاس من الوضع الذي أصبحوا فيه، ومن أعمال القاعدة وتجاوزاتها فاسهموا في الجهد المبذول لمحاربتها وباقي منابع الإرهاب، هذا وبغض النظر عن مسؤولية الوصول الى هذه الحالة، ودوافع المعنيين في الإيصال، يمكن القول إن الإبتئاس حالة نفسية تفوق شدتها الضجر تؤثر في حياة الفرد والجماعة سلبا عندما يصاحبها قدر من الإحباط، وقد تؤثر إيجابا عندما يدرك المبتئسون أسباب إبتآسهم فيحاولوا العمل على إزالتها من طريقهم ليعيشوا حياتهم الطبيعية مثل غيرهم من الأقوام.

لكن عملية الإدراك وإن تأتي من داخل المعنيين عن طرق الاستبصار أحيانا إلا إنها في مثل حال العراق الذي يسبح مواطنوه في بحر متلاطم من التأثيرات النفسية، ودوافع الحرب الخفية، ويعيش الكثير من سياسيوه حالة التصارع، والتسابق لتأكيد الذات الخاصة على حساب الذات العامة للعراق،  يصعب في وضعه أن يحدث الإدراك كعملية عقلية عن طريق الإستبصار إلا في حدود الخاصة من بعض المثقفين وذوي التحصيل العالي، عندها تكون المساعدة لتسريع حدوثها أمر حتمي يتولاه الإعلام الرسمي والخاص "المنصف" من خلال الكتابة عن الموضوع، والتنويه عن أبعاده، وتساعد في تحقيقه الجامعات بتكثيف الدراسة والبحث عن ذات الموضوع، والتوسع في النشر، وإقامة الندوات، كذلك مؤسسات المجتمع المدني التي تتحمل هي أيضا جزء من المسؤولية على الرغم من حاجة غالبيتها إلى المساعدة للإستبصار، ومعها البرلمان في مناقشاته وتشريعاته التي ينبغي أن تصب في هذه المرحلة في أتجاه دعم الاستبصار، ومن ثم الحكومة التي يقع على عاتقها العبئ الأكبر في هذا المجال من خلال السلوك العام لأعضائها على أساس القدوة في الحيادية والنزاهة والتضحية، والإلتزام من جهة، وتخصيص كل عضو من أعضائها جزء من وقته وجهده المتاح لتعزيز، ودعم الفروض التي تسرع من الاستبصار بالأسباب الحقيقية لحالة الأبتئاس.

إن الأبتئاس الذي يعد فعلا أحد عوامل الدفع الذاتي لمقاتلة الإرهاب والقاعدة في العراق للنصف الثاني من هذه السنة على وجه الخصوص عملية نفسية ذات أبعاد خطيرة على الرغم من إيجابياته الآنية، لأن حدوثه يوسع هامش الإدراك لأمور أخرى تحدث في الجنب القريب والبعيد، ويفتح المجال أمام العقول واسعا للمعرفة وطلب المزيد، ويضع المبتئسين المحاربين بالساحة في أعلى حالات التوتر النفسي التي تمتد شحناتها الإنفعالية إلى ما بعد أنتهاء مرحلة القتال، ويدفعهم أو الغالبية منهم إلى التفتيش عن ثمن المساهمة في تحقيق النصر بالقتال، الأمر الذي قد يحرج الحكومة والمجتمع، ويضعهم سوية أمام أستحقاقات لم تكن مألوفة، وأبواب مفتوحة للتجاوز والخطأ، وربما التمرد والعصيان، مما يتوجب عليها أن تتعامل مع هذا الموضوع الحيوي تعاملا نفسيا صحيحا مبني على الأستيعاب، والتحكم، والتوجيه، وبمعنى أدق أن لا تنتشي بحدوثه الآن، وتسعد لما حققه من دعم لجهودها في مقاتلة الإرهاب، فتترك التعامل مع حالته إلى الصدفة التي تضر بوجودها قاعدة للحل، وبالمجتع المنهك حدا لا يتحمل فيه المزيد من الابتئاس.

د. سعد العبيدي                    2/11/2007