شأن الحروب كل الحروب، وفي كل بقاع العالم، وفي كل الأزمنة والأوقات، أن يفرض المنتصرون على الخاسرين رؤاهم وشروطهم ويلوون ارادتهم، ولا تختلف حروب العراق عن غيرها من الحروب في هذا الجانب على أقل تقدير، وكان على الساسة الذين قبل واللعراق أن يخوض حرباً لما يتعلق بالكويت أمام تحالف دولي عام ١٩٩١، أن يحسبوا هذا،وإذا لم يكن قد تفكروا مسبقاً لم يبق أمامهم سوى القبول بالشروط التي يفرضها الخصمالمنتصر في الميدان. وقد حصلَ هذا وَفُرض شرط ترسيم الحدود مع الكويت، بحرياً بينها مايتعلق بخور عبد الله حيث اقتطاع عدة كيلومترات من حدود بحرية للعراق هي في الأصل ضيقة، وبرياً تلك التي أخذت كذلك عدة كيلو مترات بينها مزارع مملوكة لأشخاص عراقيين، وتم قبوله من الحكومة آنذاك، قبولاً لا يسقط قانونياً بتغيير الحكم والأنظمة، يتحملأهل البلاد أعبائه الى النهاية أو الى حين ظهور ظروف جديدة تسمح لهم بذلك وبأية وسيلة بينها القوة. وعلى هذا فإن الحروب بنتائجها هذه أو غيرها تثير مشاعر عداء بين طرفين،تترسب بعض انفعالاتها في عقول الرابحين والخاسرين في آن معاً، رواسب يمكن أن تمتد عشرات من السنين لتنتج حروباً أخرى، إذا ما تيسرت الظروف الملائمة.
وهذا ما استنتجته الشعوب الأوربية بعد الحربيين العالميتين الأولى والثانية، فاتجهت بسببه الى التفتيش عن وسائل سلمية لتبديد رواسب العداء، واهتدت الى خيار تكوين مصالح مشتركة وتنقل حر وتملك واقامة مسموحة في المنظومة الأوربية، وكانت النتيجة قبول هذه الشعوب لبعضها البعض بأقل ما يمكن من مشاعر العداء التي كانت موجودة في نفوس أجدادهم، وابتعاد شبح الحرب فيما بينهم عن نهج التفكير. وللمقارنة في هذا الموضوع بين هؤلاء الاوربيين وبيننا نحن العرب والمسلمين نرى أن أبناء منطقتنا يمتازون عن غيرهم من الأوربيين بالقصور في النظرة الى المستقبل، وسهولة امتلاء المشاعر بالعداء، وبسببها وعوامل الجهل الانفعالي فان التبعات التي تترتب على حروبهم والنزاعات فيما بينهم مشاعر عداء ورواسب لها يمكن أن تنتج حروباً أخرى... حقيقة كانت واضحة فيما أثيرحول موضوع خور عبد الله الذي رُسِمت الحدود في مجاله دولياً، وأثيرت حوله الكثير من الاقاويل والانتقاد وتبادل الاتهامات. مما يشجع استذكار ما يتعلق بالتبعات، والقول لو أن الأشقاء الكويتيين في ذاك الوقت الحرج على سبيل الافتراض قد حسبوا التبعات الانفعالية بهدوء، وتوجهوا الى السعي لتقليل مشاعر العداء وان تعرضوا الى الظلم، وان كانوا من بين المنتصرين في الحرب، وأصروا على عدم القبول بإضافات الى حدودهم قليل من الكيلومترات لا تغني سواحلهم الطويلة، ولا تزيد عدد آبار نفوطهم الكثيرة، ولو كانوا فيوقتها قد وافقوا أن يكون الترسيم على الحدود التي كانت قائمة قبل الحرب، لكان هذا مكسباً كافياً لتفادي صيحات احتجاج تظهر بين الحين والآخر لتثير مشاعر الحيف من جديد، وتدفع الكويتيون بالمقابل الى الاحتجاج بالضد ليقع شعبينا العربيين المسلمين في دائرة العداء شبه الدائمة، وتبقي أفكار البعض من كلا الجانبين متجهة للانتقام واعادة أوهام الماضي، تنتظرالفرصة لكي تخرج بحرب أخرى أو بأعمال عدائية دونما مبرر.
٤/٢/٢٠١٧