استخدام القوة بين الديمقراطية والحاجة إلى الأمن


لم تكن الديمقراطية عبر تاريخ البشرية الحديث عامل إضعاف للدولة التي تطبقها والمجتمع الذي يؤمن بها بعد تجاوزها أي المجتمعات المعنية مرحلة النضج على أقل تقدير، ولم تكن سببا لإثارة التوتر، والاضطراب في تلك المجتمعات التي سارت على خطى التطبيق الصحيح لمعطياتها، بل وعلى العكس من ذلك كانت أساسا لقوة تلك الدول بعد أن فسحت المجال واسعا للتقدم، والرقي بعيدا عن قيود الماضي وتحديدات الغيب، ووفرتْ الفرص المناسبة للصحافة ووسائل الإعلام والرأي لأن تكون رقيبا نزيها، وسلطة تأثير فاعلة في سلوك الحكام، والمحكومين باتجاه التعديل، والتقويم في معادلة الإدارة الصحيحة للدولة، والمجتمع.

ولم تكن الديمقراطية يوما هبة من السماء تنزلُ إلى الأرض بأمر الخالق، وقوته ولا ميراثا يُنقلُ بعد الموت الفجائي من أجيال لأخرى أو من آباء لأبناء في المجتمعات التي سارت على خطا متزنة ما زالت تنمو، وتتطور منذ عدة قرون بهدف إسعاد الإنسان وإشعاره بالرضا والاستقرار، بل وعلى النقيض من ذلك يجد الدارسون، والمتابعون أن تلك المجتمعات قد أسست للديمقراطية بقوة السلاح أحيانا، وبتضحيات الشعوب في المقاومة أحيانا أخرى، وفرضت تطبيقاتها سلوكا لدى الجميع بقوة التضحية، والإيثار، والتحضر، والقدوة الحسنة، ومن ثم الإصرار على مواصلة طريقها الطويل من بداياته الصعبة أو المتعرجة بقوة الاحتمال في كثير من الأحيان.

ولم ينكر أحد أنه وفي حالات الحروب، وعدم الاستقرار، والشعور بالتهديد تلجأ بعض المجتمعات إلى تعطيل التطبيقات الديمقراطية أو بعض منها بهدف تكوين فرص مواتية يتحمل الحاكم فيها مسئولية حشد القوة اللازمة للتعامل مع مصدر الخطر والتهديد بالقدر الكافي، وفي الوقت المناسب، وهي قوة لا يمكن أن تحشد إلا بمركزية القيادة، وتوسيع هامش صلاحياتها وزيادة تحميلها المسئولية، وهرمية اتخاذ القرار في مفاصلها التي لا يمكن أن تتم كما يجب في ظروف الديمقراطية الفتية على وجه الخصوص.

ولم يعتب أحد على الحكومة الحالية في الدعوة إلى استخدام القوة في التعامل مع حالة الاضطراب وعدم الاستقرار بعد أن تعود بعض أبناء هذا المجتمع نتيجة إلى سوء الفهم الحاصل في موضوع الديمقراطية إلى الاستجابة للمثيرات المحيطة بهم بطريقة خاطئة أدت إلى أن يتمادى شرطي في أن يكون عضوا في عصابة للقتل بدلا من أداة صالحة لتنفيذ القانون ويصبح آفة لا يمكن القضاء عليها إلا بالقوة.

ويتجه ضابط في أن يكون عميلا لجهة سياسية تعمل على تخريب الأمن، وإعاقة المسيرة فيصبح معضلة لا يمكن تجاوزها إلا بالقوة.

وتكبر جماعة سياسية محلية بدعم أجنبي فتشكل مليشيات تعمل على القتل والتدمير بالضد من ما تريده الحكومة، والشعب فتصبح مشكلة لا يمكن حلها إلا بالقوة.

ويتعمد موظفون من الدرجة الأولى والثانية إعاقة عمل وزاراتهم وتعطيل تنفيذ القرارات بقصد المنفعة الشخصية أو الحزبية أو الطائفية فيكونون مخربين لا يمكن التقليل من أثرهم إلا بالقوة.

وتحرض فضائيات، وصحف، ورجال سياسة، ودين بالضد من الدولة في كل مناسبة أو بدونها فيصبحون أعداء لا يمكن الحد من نفث سمومهم إلا بالقوة.

وتفتح عشائر أو بيوت أبوابها للإرهابيين فتكون قاعدة لأعمالهم التخريبية، ومصادر معلوماتهم، وسبل دعمهم الإداري والمعنوي فتصبح وإياهم في جبهة تدمير لا يمكن القضاء عليها إلا بالقوة.

.... الخ من وقائع وأمثلة لا تبيح استخدام القوة المنصفة من الحكومة في هذه الأيام الحرجة بل وتفسح المجال إلى القول أن عدم استخدامها أو التأخير به سيكون وبالا على العراق وديمقراطيته الموعودة.                          

د. سعد العبيدي                                    14/11/2006