إعدام صدام بين الانفعال، والاستحقاق


لقد اثأر حكم الإعدام الذي صدر بحق صدام حسين يوم الأحد الماضي زوبعة لا تشبه من قريب أو بعيد زوابع سبق وأن أثيرت في عراق مليء بمصاعب، ومحن يجد فيه الأبناء أنفسهم كل مرة ملزمين بالتعامل معها جماعيا، وموحدين في الرأي بصددها غالبية، لكن المحكمة التي آثرت الدقة والتأني المطلوب قانونيا ونطقت بالحكم بعد ثلاث سنوات ونصف لم تحسب في نطقها العوامل الأخرى غير القضائية، ولم تحسب الجهات المعنية في الدولة ضرورات التمهيد له شعبيا فجاء الحكم المتأخر زمنيا مثيرا للانفعال السلبي، والإيجابي في آن معا فتسبب بإضافة معايير احتقان طائفي لأخرى موجودة أو سائدة في الوقت الراهن بعد أن وجد البعض أنفسهم مؤيدين للحكم كنوع من الترويح الانفعالي عن مظالم عانوا منها كثيرا إبان حكم صدام الظالم ولهم الحق في موقفهم وتظاهرهم، ووجد البعض الآخر أنهم بالضد من هذا الحكم " وإن كانوا من القلة" كنوع من الاحتجاج الانفعالي وسبيل للضغط على الحكومة سعيا منهم إلى إضعافها أو تقويضها إن أمكن وهم غير محقين في سعيهم، وتظاهرهم ليس لأن صدام ظلم العراق جميعا، وإن العقاب بالإعدام الصادر موجه أصلا لإطفاء فعل الظلم، وليس للانتقام من الشخص المعني حصريا، وإن الحاجة تستدعي أن يعاقب هذا الفعل لكي لا يعاود في مجتمع عرف بتكرار التجاوز، والخطأ والميل إلى الفردية، بل ولأن العراق يمر بمرحلة خطرة يدفع فيها الأعداء من الخارج في أن يتجه أبناءه إلى مزيد من التناحر والفرقة، وينفذ البعض من جهلته في الداخل تلك التوجهات لقاء أجر مدفوع أو نتيجة لأفكار وهمية عن الدين والسياسة والحقوق، الأمر الذي جعل الوقوف بالضد في مثل هذه المسائل أو الاختلاف في مجالها لا يفسر سوى بالميل إلى التحدي عند الجانب المعارض إلى تلك الأحكام وهو ميل يمكن أن يجر إلى فعل الإثارة بالغصب المقابل عند الجانب المؤيد لها أي الأطراف المظلومة، والمتضررة وهم كثر في العراق، هذا وإن التحدي والغضب في ظروف مثل التي يمر بها العراق حاليا يمكن أن تتحول عندما لا تجد سبيلا للتنفيس بالإشارة والكلام لدى البعض من الشباب المنفعلين إلى عمل عدائي فيه القتل، والاختطاف، والتعذيب وسيلة وحيدة للترويح.

إن الحكم بإعدام صدام لم يكن خطئا من الناحية القانونية إذا ما تم النظر بتجرد إلى كثرة خروقات هذا الحاكم  القانونية، وسلبه الحرية، وإلى كثرة حروبه، وجسامة ضحاياه التي لم تتمكن أجهزة الدولة ومراكز البحوث من إحصاءها حتى وقتنا الراهن، وإلى المصير المجهول الذي وضع العراق فيه بسبب الاعتداد بالرأي والعنجهية، والشعور بالعظمة، وإن عدم الحكم بموت أفعاله من الناحية المنطقية رسائل طمأنة لكل الطغاة، والظلمة، والإرهابيين في أن يستمروا في ظلمهم للشعوب المقهورة، واهانة لإنسانية الإنسان العراقي التي دنست لأكثر من ثلاثة عقود، والأخطر منها سيثير أي عدم الحكم فتنة تبقي نارا تحت الرماد يمكن إيقادها في الوقت الذي يخطط له ويريده غير العراقيين، ويدفع ثمنه الأبرياء قتلا، وتشريدا، وهجرة، وعوزا، وخوفا من المصير غير المعلوم. ومع ذلك فقد رافقت هذا الحكم أخطاء من جانب المحكمة تتعلق بالتوقيت الحاصل في النطق بعد أن طال زمن  المحاكمات التي أخذت سياقا يشبه المسلسلات التلفزيونية التي يمد المخرج في أحداثها  ليملأ الفراغات في عقول المشاهدين، وأخطاء الدولة في مجالها ذات صلة بعدم السعي لإدارة الموضوع نفسيا حيث الضرورة إلى التمهيد المسبق لقبوله شعبيا، أما الأخطاء الأكثر جسامة من جانب الشعب تتركز في محاولة البعض من الشباب الانسياق وراء الولاءات الطائفية المجتزئة لتوظيف كل الحوادث، والمصائب، والاستحقاقات توظيفا طائفيا غير منطقيا سيدفعون وباقي العقلاء ثمنه مزيدا من الخسارة والتخلف في زمن لا ينبغي أن يختلف فيه اثنان على ضرورة معاقبة قاتل.

د. سعد العبيدي                  8/11/2006