أزمة العراق بين الخارج والداخل


شهدت الأزمة العراقية في الأشهر الأخيرة مزيدا من التطور باتجاه الحل والتعقيد في آن معا الأمر الذي يحتم النظر إليها ليس من زاوية الخارج الذي رسم معظم مساراتها المتناقضة فقط بل وكذلك من الداخل الذي يرسي عادة ذلك التطور استجابات باتجاه الحل أو التعقيد إذ نرى في الخارج خلال هذه المرحلة على سبيل المثال توجها لغالبية الدول الكبرى على وجه الخصوص للإسهام في تقديم الدعم الاقتصادي والسياسي أملا في النهوض بواقعها أي الأزمة العراقية خطوة إلى الأمام يمكن أن تؤسس قواعد الأمن والديمقراطية بخسارة أقل كما هو معلن على أقل تقدير ، ونرى في نفس الوقت استمرار لذات المحاولات من بعض الدول القريبة لإبقاء الأزمة بؤرة متوترة لحسابات تتعلق في معظمها بإبعاد شبح التدخل الأمريكي في شؤونها ، ومع هذا فإن أهم تلك التوجهات تأثيرا في واقع الأزمة موافقة الدول الدائنة لنادي باريس على إطفاء 80% من إجمالي ديون العراق البالغة بحدود 120 مليار دولار. الذي يمثل إطفائها مبادرة إيجابية باتجاه المساعدة وتقديم العون تحسب لتلك الدول الصناعية الكبرى في وقت يحتاج فيه العراق إلى كل عون من أجل النهوض وتجاوز محنته التي تتأسس على ترميم الاقتصاد المدمر وتحسين مستوى العيش للإنسان العراقي المحطم، بغض النظر عن ملابسات تلك الديون وفوائدها المستحقة ، والحصار الذي فرض على العراق، وأمواله المجمدة. تليها في الأهمية مقررات مؤتمر شرم الشيخ الذي أوحى إلى جميع المعنيين بالأزمة العراقية في أن لا يكتفوا بعدم التدخل السلبي في شئونه الداخلية بل ويساعدوا على تحسين ظروفه السياسية وإنجاح تجربته الانتخابية المرتقبة.

إن التوجهات المذكورة في مجال الاقتصاد والسياسة والأمن ، تلك الأركان المهمة للأزمة العراقية يؤشر اتخاذها في الوقت الحاضر رغبة دولية معقولة في عدم السماح إلى مزيد من الفوضى والاضطراب في ساحتها الملتهبة، لكنها توجهات وإن باتت واضحة في السلوك الدولي الخارجي لا يمكن تجسيدها على أرض الواقع العراقي حقائق تسهم في تخفيف التوتر وفرض الأمن، أي الشروع بتقديم الحلول المناسبة إلا إذا ترافقت مع رغبة عراقية في التفاعل الايجابي مع جوانبها المتعددة ، إذ أن الديون التي تشطب على سبيل المثال لا يمكن أن تحسن من حال الاقتصاد المتهرئ كما هو مطلوب إذا ما استمر مسلسل الهدم والتفجير للبنى التحتية ، و تأخرت خطوات الشروع بإعادة الاعمار وبقي الفساد آفة مستشرية في عموم البلاد ، كما إن الدعم السياسي باتجاه الديمقراطية وإنجاح الانتخابات لا يمكن أن يتحقق إذا لم يدرك جميع العراقيين أهمية المشاركة فيها خطوة أساسية للحصول على الحقوق.، وأن يعوا جيدا أن البلد سوف لن يبن من جديد إلا بالنوايا الحسنة للأهل ، ولن يتقدم ثانية إلا بالجهد الحثيث للمجتمع ، ولن يفوق من غفوته المهلكة إلا بالتوجه الجمعي للمشاركة في الحل أي النزول من على التل والتوجه إلى التعامل المنطقي مع الواقع الحالي بطريقة تتلائم والظروف السائدة بعيدا عن الكره والحقد والاقتتال، وبعكسه سوف يجدون هم والقريبين معهم أنهم جميعا في مركب قديم تتقاذفه الأمواج وسط المحيط لا يمكن أن تحول دون غرقهم وإياه كل محاولات العالم الآخر أو أمواله، وإن كانت بمئات المليارات.

د. سعد العبيدي                              23/11/2004