حصاد العاصفة 

ثقافة الأضداد في عراق ما بعد الإحتلال  


(الجزء الأول)

د. سـعد العبيدي


إهـداء

إلى بشرى، لويذاء، أشرف، ومصطفى، لولا وجودهم في حياتي لمـا أنجـزت ما أنجزته في زمنين صعب فيهما الانجاز  


تقديم

في المنافي يبكي المنفيون على شيء إسمه الوطن حتى إن لم يبق من هذا الوطن في ذاكرتهم إلا صورة بهيئة شجرة عطشى أو صحن قديم كانوا يتناولون فيه حساء العيد أو حائط منسي معبأ بالغبار. فهل تحولت الأوطان إلى أشجار وصحون وحوائط بكماء لا تحكي قصصا عن أهلها، أم مازال الوطن فينا يمتد قويا لما وراء اللحم والعظم؟.

للأسف لا الوطن بقيَ وطنا ولا الناس ظلوا على حالهم في اشتياق دائم للديار، فالذين يتذكرون الوطن على أنه قطعة حلوى وصندوق حليّ وعطر نسائي مخبأ تحت إيقونة قديس أو جهبذ أو نشال هم الذين باعوا الوطن رخيصا جدا للمتاجرين بالخردة في مزادات آخر الليل، باعوه بثمن بخس في نشوة عارمة تشبه نشوة العائدين المنتصرين في حروب الزمن البعيد، باعوه واشتروا بثمنه قنينة خمر وعلبة كبريت خزنوها بمخابئ سرية مع البارود لكي لا يعجزهم البحث عن شرارة حين ياتي وقت الرحيل.

الذين يتكلمون كثيرا عن الوطن، ووحدة الوطن، ومحنة الوطن، لا وطن لهم إلا كروشهم التي لا تشبع وجيوبهم التي لا تمتلئ ومخابئهم السرية التي لا يصل إليها أحد، هؤلاء كانوا قد اشتروا وطنا بديلا، أما العراق الذي أفرغوه من ثرواته وكفاءاته وبنوا فيه المقابر بدل المتاحف وأشعلوا فيه الحرائق بدل الحدائق فلا تجد له قيمة لديهم، لأنهم فقدوا الولاء له عندما فقدوا الحياء.

الغريب فينا أننا لا نتعلم أو قل لا نريد أن نتعلم لا من تجاربنا ولا من تجارب غيرنا من الأمم.

لقد جاء الزعيم ومن معه وقتلوا الملك وحاشيته وكل من معه بوحشية نادرة، وقالوا سنصلح الحال ..... ثم لم يلبث أن جاء أسلافهم وذبحوهم بنفس الطريقة وألقوا بجثثهم في النهر، ثم جاء أسلافهم وذبحوهم بطريقة غامضة، ثم جاء سفاح وأعقب السفاح سفاح آخر وشنقوا آخر السفاحين في صباح يوم عيد، وسوف يذبح خلفه في عيد آخر، كل هذا لأننا شربنا الانانية وحب الذات المرضي مع اللبن. كل هذا لأننا لم نتعلم أو لا نريد أن نتعلم روح التسامح.

الذين لا يتعلمون أو لا يريدون أن يتعلموا هم أشد بلاء على الوطن من كل الغزاة والغرباء وأسلحة الفتك ..... هذا مسعود بارزاني مثل قريب وشريك في الوطن تعلم من الصعود إلى الجبل والنزول من الجبل، كيف يكون متسامحا مع أبناء جلدته، عندما عفى عن كل الأكراد البعثيين، لأنه أدرك أن القصاص منهم سوف يوغر الصدور ويورث الأحقاد ولا يبني وطنا. أما نحن فقد نصبنا مشانقنا وجهزّنا أسلحتنا وفتحنا مقابرنا وبنينا سجوننا السرية تحت الأرض وفوق الأرض.

لكي نتصالح يجب أن نتعلم ثقافة التسامح، ولكي نتسامح يجب أن نحب بعضنا، حتى لو كان بعضنا من طائفة أخرى أو دين آخر أو عرق آخر، فنحن شركاء في الوطن، حتى أولئك الذين طاردونا ذات يوم وسجنونا وحرمونا من دخول المساجد ومزقوا كتب أطفالنا، يجب أن نقف لهم ونأخذهم في أحضاننا ونعلمهم أن الشر لا ينبغي أن يقابل بالشر وإن شارب السم لا يعالج بالسم، حين نصل إلى هذا المستوى عندها يمكننا أن نبني وطنا، وعندها لانحتاج إلى المنافي ولا نحتاج إلى البكاء على الاطلال.

لقد أوحى لي كتاب الدكتور سعد أننا من طينة أخرى كأننا نشرب من ماء ملعون يبعث فينا التسلط والتمرد والطغيان حتى لكأننا أسوأ من أسماك البحر، الصغير فينا يتزلف الكبير والكبير يستعذب ذبح الصغير. وبدلا من أن نعلق أوسمة على صدور أبنائنا ونتسامح معهم، صرنا نعلق رؤوس أبنائنا على الأشجار ونرمي بجثثهم بلا رؤوس على قارعة الطرقات وفي الأنهار. كل هذا ونحن متدينون ومسبحة أحدنا فيها ألف خرزة من خرز الضغينة والكراهية والدسيسة. لقد كنا بصدام واحد ثم صرنا بصداديم كثيرة، ولقد كان لصدام خط أحمر واحد، وصرنا بخطوط حمراء وفوق الحمراء وفوق البنفسجسة.

أعترف أن فينا خللا نفسيا يستلزم أن نعرض أنفسنا على أخصائيين نفسيين لكي نحدد من أين بدأ الوهن في أنفسنا ولماذا نلعن السلطة والسلطان مادمنا خارجها ولن نلبث أن نكون لها عبيدا ونحن داخلها.

أهمية هذا الكتاب توثيق لحقيقة زمنين مهمة وإنه رؤية نافذة لما آلت إليه الأمور بعد السقوط، وتحليل علمي أكثر دقة وشمولية من كتبه السابقة، على الرغم من أن الشواهد المادية على حركة تغير المجتمع والدولة كانت وافية إلا إنها أقل مما عرض علينا في كتبه السابقة، ومع ذلك فإن النظرة التحليلية الجادة تعطي الكتاب قيمة إضافية وتفتح لنا نافذة للتسامح.

لكي تقرأ هذا الكتاب لا تحتاج إلى خارطة لشوارع بغداد أو البصرة أو الموصل، فالأحداث في كل مكان والأحزمة الناسفة لا تميز بين الأزقة والشوارع والحارات، والعبوات الناسفة ليس لديها القدرة على تمييز النساء من الرجال والعرب من الأكراد والمسلمين من النصارى.

حتى نتخلص من كابوس الموت المجاني ولكي لا يكون هناك أربعاء الرماد، عذرا أربعاء الدم، والخميس الأليم، والجمعة الحزينة، والأحد المفجع، يجب أن نربي أنفسنا على التسامح، وتأكدوا أن ما من أمة نهضت وأستقامت إلا على هذا المبدأ، وما من أمة أنحطت وتهاوت إلى الدرك الأسفل إلا حين تخلت عن التسامح.

أهل السلطة والسلطان يمكن أن يستفيدوا من هذا الكتاب لكي يتعلموا ثقافة التسامح، وفيما عدا ذلك لا انصح بقراءة هذا الكتاب لكي لايصاب القارئ بخيبة أمل مما آلت إليه الأمور في بلاد الرافدين.

          

                                                  د. فجر جودة النعيمي 

                                                  لندن 20/12/2010    

حصاد الجزء الأول .pdf