موقف الشرفاء من أبناء العراق


لا أحد في العراق وخارجه يستطيع أن ينكر أن كثيرا من المنتمين إلى حزب البعث العربي الاشتراكي، بدأو مشوارهم السياسي في تنظيماته أي الانتماء إلى صفوفه لأسباب متعددة بينها الإيمان بالمبادئ والأهداف. وبينها التخلص من ضغوط الحزب عليهم وعلى عوائلهم. وبينها أيضا الحصول على فرصة لوظيفية ما تعينهم في العيش بعد احتكار كل وظائف الدولة والقطاع العام للمنتمين إلى الحزب وأقرباء العائلة الحاكمة، والمحيطين بالرئيس. وبينها كذلك المجاراة وتفادي الأخطار الجانبية للبقاء خارج دائرة الحزب التي تثير الريبة والشك وربما العقاب في بعض الأحيان.

وأي كانت الأسباب بقي السلوك العام للحزبيين البعثيين مختلف أيضا تبعا لدوافع الانتماء، فمنهم على سبيل المثال من كان صادقا بالفعل مــــع نفسه وعائلته وعشيرته .... ينتقد التجاوز والسلبيات ولو بين المقربين منه، ويمتنع عن ممارستها، ومنهم من يعترف بوجود الأخطاء ويتغاضى عنها اعتقادا منه أن لا فائدة من ذكرها أو التنويه عنها، ومنهم أيضا من يتعمد فعل الأخطاء بسبب سلوكه غير السوي. وهكذا كانت أسباب الانتماء مختلفة، ومعالم السلوك كذلك مختلفة أدت في محصلتها إلى تعرض العراق إلى كارثة حقيقية عشنا معاناتها نحن العراقيين لأكثر من ثلاثة عقود متصلة.

لكن الشعوب الحية ومهما تعرضت إلى المشاكل، والكوارث، والأزمات، تبقى قادرة في الأغلب على تجاوز ظروفها الصعبة، وتكون قادرة على النهوض من جديد وإعادة بناء البلد كما تقتضيه الضرورات الحاضرة والمستقبلية.  

وعراقنا اليوم وهو على أبواب حرب مهد لها صدام بسلوكه الخطأ لا يمكن الجزم أن الأمور سوداوية تماما كما يعتقد البعض، وإن النهايات مأساوية حتما كما يراها البعض الآخر، لأن الشعب العراقي شعب حي، والكثير من المنتمين إلى حزب البعث العربي الاشتراكي عراقيون أصلاء، لا يرتضون الظلم والاستبداد. وفرص الخروج من المحنة متاحة إذا ما توقف الأبناء أمام حالتهم قليلا ، واستعرضوا ما مر بهم طيلة الثلاثين سنة الماضية، وأعلنوا كلمة الحق دون خوف أو وجل ولو في الساعات الأخيرة.

وإذا ما فكر الحزبيون البعثيون وطنيا، وامتنعوا عن تنفيذ مهام القتل لمن يعلن كلمة الحق، ونصحوا بعضهم البعض في البقاء خارج دائرة الصراع الذي سينشب بين أبناء العائلة والعشيرة، وإذا ما تركوا مواقع حزبهم والتحقوا إلى جانب العسكريين الذين سيقفون بالضد من الحاكم والنظام .

عندها فقط سيجدون أن محنة الحرب المحتومة يمكن أن تمر بأقل ما يمكن من الخسائر، وإن المستقبل يمكن أن يكون أحسن مما هو عليه الآن، وإنهم بوقفتهم هذه سيسهمون في ترسيخ عرى الديمقراطية في عراق الغد قبل فوات الأوان.   


لندن: 18/2/2003